بينما يتصاعد الدخان من المجمع الرئاسي في طهران وتتضارب الأنباء حول مصيره إثر الضربات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة، نلقي نظرة معمقة على حياة “المرشد الأعلى” الذي أعاد تشكيل سياسات الشرق الأوسط، وبنى إمبراطورية من الميليشيات، وحكم إيران بقبضة لا تعرف الهوادة.
في الساعات الأولى من صباح يوم الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، استيقظ الشرق الأوسط على زلزال جيوسياسي غير مسبوق. طائرات وصواريخ أمريكية وإسرائيلية دكت قلب العاصمة الإيرانية طهران في عملية أُطلق عليها “الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury)، مستهدفة بشكل مباشر المجمع المحصن للمرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي.
وبينما سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمسؤولون الإسرائيليون إلى إعلان وفاته وتأكيد “نهاية حقبة”، خرج وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لينفي النبأ ويؤكد أن المرشد “لا يزال على قيد الحياة على حد علمه”. ولكن، سواء تأكدت وفاته تحت أنقاض مجمعه أم نجا ليقود بلاده من مخبأ سري، فإن الهالة التي أحاطت بالرجل الذي حكم إيران بصفته “ظل الله في الأرض” لمدة 37 عاماً قد تحطمت إلى الأبد. لقد وصلت “حرب الظل” أخيراً إلى عقر داره.
الصعود من الظل.. خليفة غير متوقع
وُلد علي حسيني خامنئي في 19 أبريل/نيسان 1939 في مدينة مشهد لعائلة دينية. لم يكن صعوده إلى قمة هرم السلطة في الجمهورية الإسلامية أمراً حتمياً. خلال ثورة 1979، كان خامنئي تلميذاً مخلصاً لآية الله روح الله الخميني، لكنه لم يكن في الصف الأول من كبار رجال الدين (المراجع).
لعب أدواراً محورية في سنوات ما بعد الثورة، ونجا من محاولة اغتيال شهيرة عام 1981 عندما انفجرت قنبلة مخبأة في جهاز تسجيل أثناء إلقائه خطبة، مما أدى إلى شلل ذراعه اليمنى مدى الحياة. تولى رئاسة الجمهورية خلال سنوات الحرب الإيرانية-العراقية الطاحنة (1981-1989)، وهي الفترة التي شكلت رؤيته الأمنية والعسكرية العميقة، ورسخت لديه قناعة بأن العالم بأسره يتآمر ضد الثورة الإسلامية.
عندما توفي الخميني عام 1989، واجهت إيران أزمة خلافة. وبدعم من شخصيات نافذة مثل علي أكبر هاشمي رفسنجاني، تم اختيار خامنئي ليكون “المرشد الأعلى”. لتبرير صعوده رغم افتقاره للرتبة الدينية المطلوبة، تم تعديل الدستور الإيراني لتغليب “الحنكة السياسية” على “الأعلمية الفقهية”. هكذا، خرج خامنئي من ظل مؤسس الجمهورية ليصبح الحاكم المطلق لها.

هندسة الدولة العميقة وزمن “الحرس الثوري”
أدرك خامنئي مبكراً أن شرعيته الدينية المنقوصة مقارنة بسلفه تتطلب تعويضاً من نوع آخر: القوة الصلبة. للقيام بذلك، قام بهندسة تحول تدريجي في هيكل السلطة الإيرانية، حيث همّش القيادات السياسية والدينية التقليدية لصالح مؤسسة واحدة أصبحت عماد حكمه: “الحرس الثوري الإيراني” (IRGC).
تحت رعايته، تحول الحرس الثوري من ميليشيا ثورية إلى إمبراطورية عسكرية وأمنية واقتصادية تسيطر على مفاصل الدولة الإيرانية. وباتت السلطة الحقيقية لا تكمن في البرلمان أو رئاسة الجمهورية، بل في مكتب المرشد وقادة الحرس الذين يدينون له بالولاء المطلق.
“محور المقاومة”.. استراتيجية حروب الوكالة
على الصعيد الخارجي، كان إرث خامنئي الأبرز هو بناء وتوسيع ما يُعرف بـ “محور المقاومة”. اعتمدت استراتيجيته على مبدأ أساسي: “محاربة الأعداء بعيداً عن الحدود الإيرانية”.
من خلال فيلق القدس، التابع للحرس الثوري، قدم خامنئي التمويل والتسليح والتدريب لشبكة واسعة من الوكلاء والميليشيات في المنطقة: حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الإسلامي في غزة، والميليشيات الشيعية في العراق وسوريا، وجماعة الحوثي في اليمن. مكنت هذه الاستراتيجية إيران من استعراض نفوذها من طهران إلى البحر المتوسط والبحر الأحمر، وشكلت ورقة ضغط رئيسية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.

لكن هذه الاستراتيجية بدأت تتصدع في الآونة الأخيرة. مع توجيه إسرائيل ضربات قاصمة لقيادات المحور – أبرزها اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، والذي كان بمثابة ضربة شخصية قاسية لخامنئي – تآكلت قدرة المحور على الردع، وصولاً إلى المواجهة المباشرة التي نشهدها اليوم.
الداخل الإيراني.. قبضة من حديد ودماء على الأسفلت
إذا كانت سياسة خامنئي الخارجية تعتمد على الوكلاء، فإن سياسته الداخلية اعتمدت على القمع المباشر والممنهج. طوال فترة حكمه، واجه المرشد عدة موجات من الاحتجاجات الشعبية التي هددت شرعية النظام.
من قمع الحركة الطلابية في 1999، مروراً بـ “الثورة الخضراء” عام 2009 إثر انتخابات رئاسية مثيرة للجدل، وصولاً إلى احتجاجات الوقود في 2019 التي شهدت مقتل مئات المتظاهرين، وانتهاءً بانتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” التي اندلعت بعد مقتل مهسا أميني. في كل مرة، كان رد خامنئي واحداً: لا تنازلات، واتهام المتظاهرين بأنهم عملاء لـ “الاستكبار العالمي” (الولايات المتحدة وإسرائيل)، وإطلاق العنان لقوات الأمن والباسيج لسحق الاحتجاجات بالرصاص الحي. هذه السياسة القاسية خلفت شروخاً عميقة بين النظام الحاكم وجيل شاب من الإيرانيين يطمح للحرية والانفتاح.
المقامرة الأخيرة.. إرث تحت الأنقاض
لقد كان عداء خامنئي للولايات المتحدة وإسرائيل هو العقيدة الثابتة الوحيدة التي لم تتغير في حياته السياسية. كان يرى في أي تقارب مع واشنطن “سماً مميتاً” يهدد هوية الثورة، وهو ما تجلى في رفضه المستمر لأي تفاوض مباشر حول البرنامج النووي الإيراني خارج الإطار التكتيكي.
اليوم، ومع الهجوم غير المسبوق على طهران واستهداف مجمعه الرئاسي، يبدو أن استراتيجية خامنئي بـ “الصبر الاستراتيجي” واللعب على حافة الهاوية قد وصلت إلى طريق مسدود. سواء أكدت الأيام القادمة وفاته تحت الركام، أو ظهوره مجدداً ليقود بلاده في أتون حرب إقليمية شاملة (تحت مسمى عملية “الوعد الصادق 4”)، فإن الحقبة التي قاد فيها علي خامنئي إيران بأسلوب “خطوة للأمام وخطوة للخلف” قد انتهت، تاركاً وراءه دولة ممزقة داخلياً، واقتصاداً منهكاً بالعقوبات، وشرقاً أوسطياً يقف على شفا الانفجار الشامل.




