بصفتنا صحفيين نراقب هذا المشهد المعقد، ندرك تماماً أن ما جرى فجر الثامن والعشرين من فبراير في سماء طهران لم يكن مجرد غارات جوية اعتيادية تناقلتها شاشات التلفاز، بل كان صداماً بين عقليتين عسكريتين مختلفتين تماماً. من جهة، هناك الولايات المتحدة وإسرائيل تعتمدان على تكنولوجيا تبدو وكأنها قادمة من أفلام الخيال العلمي، ومن جهة أخرى، هناك إيران التي أدركت منذ زمن طويل أنها لا تستطيع منافسة الغرب في صناعة الطائرات الحديثة، فقررت بدلاً من ذلك حفر الجبال وتكديس أكبر ترسانة من الصواريخ في الشرق الأوسط. لفهم كيف حُسمت هذه الليلة التاريخية، وما هو حجم التهديد الذي لا يزال يخيم على المنطقة، قمنا بالبحث في لغة الأسلحة وترجمتها إلى حقائق بسيطة ومباشرة.
صراع الأشباح… طائرات لا تُرى ورادارات عمياء
كثيراً ما نتخيل المعركة الجوية كطائرتين تطاردان بعضهما في السماء، لكن الحقيقة اليوم مختلفة كلياً. المعركة الحقيقية هي بين طائرة مهاجمة وشبكة رادارات تحاول اصطيادها على الأرض. الطائرات الأمريكية والإسرائيلية الحديثة، مثل إف-35، لم تعد مجرد هياكل طائرة، بل أصبحت حواسيب عملاقة طائرة قادرة على التخفي والتشويش على رادارات الخصم، لتمهد الطريق للقاذفات الكبيرة كي تسقط حمولتها بهدوء. في المقابل، تمتلك إيران أسطولاً من الطائرات القديمة وشبكة رادارات يسهل على التكنولوجيا الغربية التشويش عليها إلكترونياً. هذا الفارق التكنولوجي الشاسع أصاب الدفاعات الإيرانية بما يشبه “العمى الكامل”، حيث تمكنت الطائرات المهاجمة من الدخول وتدمير الأهداف قبل أن تدرك غرف العمليات الإيرانية أنها تتعرض للقصف.
| وجه المقارنة | التحالف (الولايات المتحدة وإسرائيل) | الجمهورية الإسلامية الإيرانية |
| الطائرات المهاجمة | مقاتلات F-35 المتطورة، وقاذفات B-2 الثقيلة | طائرات قديمة تعود لعقود مضت مثل F-14 |
| الظهور على شاشة الرادار | تظهر بحجم “كرة جولف” (شبه مخفية ويصعب رصدها) | تظهر بحجمها الطبيعي الضخم ويسهل كشفها |
| أنظمة الدفاع الجوي | أنظمة ذكية متصلة ببعضها عبر الأقمار الصناعية | منظومات S-300 الروسية و باور-373 المحلية |
| ما حدث على الأرض | شلل كامل للرادارات وتدمير الأهداف بصمت | عجز ميداني تام عن رؤية أو إسقاط الطائرات المهاجمة |
هندسة تدمير الملاجئ… قنابل بوزن الحافلات
للقضاء على مراكز القيادة والمنشآت الحساسة المخبأة عميقاً تحت جبال زاغروس الإيرانية، كان على واشنطن استخدام سلاح خاص جداً. قنبلة الاختراق الهائل الأمريكية لا تعتمد فقط على قوة انفجارها، بل تعتمد ببساطة على ما تعلمناه في حصص الفيزياء المدرسية؛ فالوزن الهائل مع سرعة السقوط يولد طاقة تدميرية هائلة تخترق الأرض، وهو ما يُعرف بمعادلة الطاقة الحركية. هذه القنبلة، التي تزن أكثر من حافلة ركاب، مزودة بجهاز استشعار ذكي يحسب عدد الطبقات والفراغات الخرسانية التي تخترقها، ليؤخر الانفجار حتى تصل إلى الغرفة السفلية المطلوبة. ورغم قدرة هذا السلاح المرعب على اختراق عشرات الأمتار من الخرسانة والصخور، كشفت تقييمات حرب عام 2025 السابقة أن منشآت مبنية على أعماق سحيقة جداً، مثل منشأة فوردو النووية، لا تزال تشكل تحدياً كبيراً حتى أمام هذه القنابل المدمرة.
| المواصفات الهندسية | قنبلة الاختراق الهائل الأمريكية (GBU-57 MOP) |
| الوزن الكلي | 13,600 كيلوجرام (أثقل من حافلة نقل ركاب) |
| كمية المتفجرات | نحو 2,400 كيلوجرام من المواد شديدة الانفجار |
| قدرة الغوص في الأرض | تخترق 60 متراً من الخرسانة المسلحة، أو 40 متراً في الصخور. |
| كيفية العمل | وزن هائل يخرق الأرض، مع مستشعر ذكي يؤجل الانفجار حتى بلوغ الهدف. |
سباق الدقائق: حقيقة الصواريخ الإيرانية
الخطر الحقيقي الذي تملكه طهران لا يطير بأجنحة، بل ينطلق كالسهم من تحت الأرض. التطور الأخطر في الترسانة الإيرانية هو تحويل صواريخها من العمل بـ “الوقود السائل” إلى “الوقود الصلب”. بعبارة أبسط، الصاروخ ذو الوقود السائل يشبه آلة تحتاج لساعات من التجهيز والتحضير، مما يجعله هدفاً سهلاً ومكشوفاً لطائرات الاستطلاع، بينما الصاروخ بالوقود الصلب يشبه عود الثقاب، مخبأ وجاهز للاشتعال والانطلاق في غضون 15 دقيقة فقط. يُضاف إلى ذلك السرعات المرعبة التي تُسجل لهذه الصواريخ. لكن التدقيق الصحفي والعلمي يخبرنا بحقيقة هامة؛ هذه السرعات الفائقة (التي تصل إلى 15 ضعف سرعة الصوت) تتحقق في منتصف الرحلة في الفضاء الخارجي، بينما تتباطأ هذه الصواريخ عند اقترابها من الأرض لتصل سرعتها لنحو 5 أضعاف سرعة الصوت، وهذا التباطؤ هو الذي يمنح أنظمة الدفاع الغربية ثواني ثمينة لاصطيادها.
| نوع السلاح الإيراني | المواصفات والأرقام | الخطر الحقيقي |
| صاروخ “فتاح” | المدى: 1,400 كم. السرعة: تصل إلى 15 ضعف سرعة الصوت (تتباطأ عند الهدف). | يمتلك رأساً قادراً على تغيير مساره في الهواء لتفادي الاعتراض. |
| صاروخ “سجيل” | المدى: 2,000 إلى 2,500 كم. السرعة: تصل إلى 14 ضعف سرعة الصوت في الجو. | جاهز للإطلاق فوراً (وقود صلب)، ويحمل كمية كبيرة من المتفجرات. |
الدرع الغالي والسيف الرخيص
لصد هذا المطر الصاروخي، تعتمد الولايات المتحدة وإسرائيل على شبكة دفاع جوي معقدة جداً تصطاد الصواريخ في الفضاء وداخل الغلاف الجوي. لكن المشكلة التي تواجه الغرب ليست في التكنولوجيا، بل في التكلفة المالية وعدد الذخائر. خطة إيران بسيطة وتُعرف بـ “الإغراق”؛ أي إطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيرة الرخيصة الثمن دفعة واحدة لإرهاق الدفاعات. الصاروخ الأمريكي الواحد المستخدم للاعتراض يكلف ملايين الدولارات، وقد رأينا في عمليات عام 2025 كيف استنفدت القوات الأمريكية ربع مخزونها العالمي من بعض هذه الصواريخ الدفاعية في أيام قليلة. هذا الاستنزاف السريع للذخيرة الغربية هو الورقة الرابحة المتبقية لإيران لإحداث دمار حقيقي إذا قررت إطلاق كل صواريخها دفعة واحدة.
| منظومة الدفاع الغربية | أين تعترض الهدف؟ | وظيفتها الأساسية |
| منظومة (حيتس 3) | في الفضاء الخارجي | تدمير الصواريخ الإيرانية العابرة قبل أن تدخل غلاف الأرض الجوي أصلاً. |
| منظومة (ثاد الأمريكية) | الارتفاعات الشاهقة (داخل وخارج الغلاف الجوي) | اصطياد الصواريخ السريعة وتدميرها عبر الاصطدام المباشر بها. |
| منظومة (مقلاع داود) | الارتفاعات المتوسطة | إسقاط الصواريخ التكتيكية الأصغر حجماً والتي تطير على ارتفاعات أقل. |
عندما نضع الأرقام على الطاولة، نرى بوضوح أن التحالف يمتلك أسلحة “جراحية” دقيقة قادرة على اصطياد قادة النظام في أعمق المخابئ بصمت، بينما تمتلك إيران، رغم تلقيها ضربات قاسية، قدرة على الاستنزاف عبر أسراب من الصواريخ الرخيصة. المعركة اليوم هي سباق مجنون مع الزمن: هل تنجح القاذفات الأمريكية في مسح المخابئ الصاروخية الإيرانية من الوجود، أم يسبقها من تبقى من الحرس الثوري بالضغط على أزرار الإطلاق ويدفعون الدفاعات الغربية إلى حافة نفاذ الذخيرة؟




