لماذا إسلام آباد؟ باكستان وسيطاً في لحظة العالم المصيرية

تستضيف إسلام آباد مفاوضات تاريخية بين واشنطن وطهران لإنهاء صراع “الغضب الملحمي”، حيث برزت باكستان كوسيط بديل وموثوق نجح في صياغة هدنة وفتح قنوات اتصال مباشرة.

فريق التحرير

ملخص المقال

إنتاج AI

تستضيف إسلام آباد محادثات أمريكية إيرانية رفيعة المستوى لمنع تصعيد الصراع الإقليمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة. يأتي هذا الدور الباكستاني المحوري في ظل فراغ تركه تراجع الوسطاء التقليديين، مما يعكس تحولًا في موازين القوى بالمنطقة.

النقاط الأساسية

  • إسلام آباد تستضيف محادثات أمريكية إيرانية رفيعة المستوى لمنع تصعيد الصراع.
  • باكستان تلعب دور الوسيط بفضل حدودها المشتركة مع إيران وعلاقاتها المتوازنة.
  • المفاوضات تهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف التوترات الإقليمية والدولية.

ثمة لحظات في التاريخ تتشقق فيها الجغرافيا السياسية على غير توقع، فتبرز دول كانت في هامش المشهد لتحتل مركزه بضربة واحدة. إسلام آباد هذا الأسبوع ليست مجرد عاصمة تستضيف حوارات دبلوماسية، بل هي المدينة التي يراهن عليها العالم بأسره في منع اندلاع موجة ثانية من الحريق الذي التهم مجمل منظومة الأمن الإقليمي منذ الثامن والعشرين من فبراير الفائت. في ذلك اليوم القاتم، أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل عملية “الغضب الملحمي” على إيران، التي أودت بحياة المرشد الأعلى علي خامنئي وهزّت معها أسس النظام الإقليمي من أساسه. ردّت طهران بوابل من الصواريخ والمسيّرات استهدفت القواعد الأمريكية في البحرين والكويت وقطر والإمارات وإسرائيل ذاتها ، فيما أحكمت القبضة على مضيق هرمز، الشريان الذي يضخ نحو خمس إمدادات النفط العالمية يومياً. وصفت وكالة الطاقة الدولية ما جرى بأنه “الاضطراب الأشد خطورة في تاريخ أسواق الطاقة العالمية” ، فيما تجاوز سعر برميل خام برنت حاجز التسعين دولاراً، وارتفعت أسعار الغذاء والأسمدة في كل أنحاء المعمورة.

بعد ستة أسابيع من القصف المتبادل وسقوط ما لا يقل عن ثلاثة آلاف وثمانمائة ضحية في عشر دول ، وبعد ليلة دبلوماسية طويلة نسجت خيوطها باكستان في الخفاء، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مطلع أبريل الجاري هدنةً لأسبوعين مشروطةً بإعادة فتح مضيق هرمز فتحاً “كاملاً وفورياً وآمناً”. وتبادل الطرفان مقترحاتهما التفاوضية، عشر نقاط إيرانية في مواجهة خطة أمريكية من خمس عشرة نقطة ، وجاءت دعوة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف لكلا الطرفين للجلوس إلى طاولة الحوار في إسلام آباد يوم السبت الحادي عشر من أبريل تعبيراً عن تحوّل جوهري في خريطة الوساطة الدولية. وأفادت التقارير بأن وصول الوفد الأمريكي برئاسة نائب الرئيس جي دي فانس، ومعه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب، والوفد الإيراني بقيادة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، يمثّل أرفع مستوى من التواصل المباشر بين واشنطن وطهران منذ الثورة الإسلامية عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين.

غير أن السؤال الذي يطرحه المحللون والدبلوماسيون في كل عواصم القرار هو: لماذا باكستان بالذات؟ ولماذا إسلام آباد تحديداً، وليس دوحة أو مسقط أو أنقرة، وهي العواصم التي احتكرت تقليدياً دور الوسيط في الملف الإيراني الأمريكي؟

الجواب لا يكمن في نقطة واحدة، بل في تقاطع نادر من العوامل الجغرافية والتاريخية والبنيوية الذي منح إسلام آباد ميزة تفاضلية حقيقية في لحظة حرجة انهارت فيها البدائل التقليدية. فمن الناحية الجغرافية، تشاطر باكستان إيران حدوداً مشتركة يبلغ طولها تسعمائة كيلومتر ، وهي حدود تجعل استقرار الجارة الغربية مسألة أمن قومي قبل أن تكون مسألة سياسة خارجية. وعلى امتداد تلك الحدود تتدفق البضائع والبشر والتوترات، وقد كانت طهران أول دولة تعترف باستقلال باكستان فور إعلانه عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين ، وهو إرث تاريخي يجعل العلاقة بين البلدين تسبق كل التحالفات التي نسجتها الحرب الباردة وما تلاها. فضلاً عن ذلك، تحتضن باكستان ما يزيد على عشرين مليون مواطن من الطائفة الشيعية، وهو ما يجعلها تحتل المرتبة الثالثة عالمياً من حيث العدد المطلق لمسلمي هذه الطائفة ، مما يمنح علاقتها بطهران بُعداً اجتماعياً وعاطفياً يتجاوز حسابات الدول التقليدية.

أما على صعيد البنية الدبلوماسية، فإن باكستان تمتلك حالة استثنائية نادراً ما تجتمع في بلد واحد: فهي تؤدي دور الدولة الممثِّلة لإيران في واشنطن، وهو ما يمنحها موطئ قدم راسخاً في العاصمتين اللتين تتعذّر بينهما الاتصالات المباشرة. وقد استغلّ الباكستانيون هذا الامتياز الدبلوماسي بحنكة عالية؛ إذ نقلت إسلام آباد المقترح الأمريكي المؤلف من خمس عشرة نقطة إلى طهران، ثم نقلت الردود الإيرانية إلى واشنطن، مشكِّلةً بذلك القناة الوحيدة الفعلية في أحلك لحظات الأزمة. وقد أشار الباحث مايكل كوغلمان إلى أن باكستان تمكنت من الجمع بين ثلاثة عناصر متكاملة: علاقات وثيقة مع كل أطراف الأزمة، وثقة البيت الأبيض، وتواصل مباشر مستمر مع إيران، مدعوماً بالثقل الدبلوماسي لحليفها الصيني الذي يحظى بنفوذ واسع لدى طهران.

وقد كانت الدبلوماسية الشخصية جوهراً لا يُستهان به في هذه المعادلة. فقد أحكم قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير نسج علاقاته مع الرئيس ترامب الذي وصفه صراحةً بأنه “المشير المفضّل لديه” ، فيما تمتد علاقاته أيضاً إلى عمق المؤسسة الأمنية الإيرانية. وقد تجلّت هذه الخيوط العلائقية في تلك المكالمة الهاتفية التي أجراها منير مع ترامب مطلع أبريل، مضموماً إلى مساعي رئيس الوزراء شريف المتواصلة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. وعندما وصل فانس إلى إسلام آباد صباح السبت، كان في استقباله منير شخصياً إلى جانب وزير الخارجية إسحاق دار، في مشهد يرسم ملامح دبلوماسية مدروسة بعناية.

Advertisement

بيد أن فهم ظهور باكستان لا يكتمل دون استيعاب الفراغ الذي تركه تراجع الوسطاء التقليديين. فقد كانت قطر وعُمان العمودَين الرئيسيين للوساطة في الملف الإيراني الأمريكي على مدى سنوات طويلة، غير أن تداعيات الحرب أطاحت بهاتين الركيزتين معاً. فقطر التي استضافت مفاوضات غير مباشرة كثيرة، وجدت نفسها في موقف بالغ الحرج إذ استهدفت الصواريخ الإيرانية منشأة “رأس لفان” لتصدير الغاز المسال، أشد المنشآت الاقتصادية القطرية حساسيةً، فسارعت الدوحة إلى طرد الملحقين العسكريين والأمنيين الإيرانيين. أما عُمان التي طالما اعتُمدت ملاذاً للهمسات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، فقد وجدت أن مصداقيتها بوصفها وسيطاً محايداً باتت تراهَن على محكّ الحرب. والإمارات والبحرين والكويت، جميعها تلقّت ضربات إيرانية مباشرة أو غير مباشرة، فصار من العسير عليها الادعاء بحياد كافٍ لاحتضان مثل هذه المفاوضات الحساسة. في هذا الفضاء المفروغ، ملأت باكستان الفراغ بجدارة، لأنها لم تكن طرفاً في الصراع، ولم تُضرب أراضيها، ولا تستضيف قواعد عسكرية أمريكية تجعلها هدفاً إيرانياً محتملاً.

هذه المعطيات الموضوعية دفعت وكالة رويترز إلى المقارنة بين دور باكستان اليوم والدور المحوري الذي أدّته عام ألف وتسعمائة واثنين وسبعين حين وفّرت الجسر الخفي الذي أتاح لريتشارد نيكسون اختراق الجدار الصيني، في واحدة من أعظم المناورات الدبلوماسية في القرن الماضي. فضلاً عن ذلك، اكتسبت إسلام آباد خبرةً تاريخيةً في مفاوضات القرب أو “المحادثات بالقرب”؛ ففي عام ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين، أسهمت في المفاوضات التي أشرفت عليها الأمم المتحدة في جنيف بشأن الانسحاب السوفياتي من أفغانستان، وكانت تلك المحادثات غير المباشرة التي أفضت إلى اتفاق مفصلي. والشكل الذي تتخذه المفاوضات الحالية يستحضر ذلك الإرث: وفدان في غرفتين منفصلتين داخل فندق في قلب إسلام آباد، والدبلوماسيون الباكستانيون يشكّلون القناة الحيّة بينهما.

والحقيقة الكاملة لباكستان لا تنفصل عن مصالحها الذاتية الجوهرية في إنهاء الصراع. فإغلاق مضيق هرمز أوجد أزمة طاقة داخلية حادة في بلد يصارع أصلاً أعباء اقتصادية ثقيلة. وقد اندلعت مظاهرات غاضبة في كراتشي وإسلام آباد وسكردو عقب اغتيال خامنئي، وراح فيها اثنان وعشرون شخصاً على الأقل في مواجهات مع قوات الأمن ، مما يكشف عمق التوتر الداخلي الذي يمكن أن تُرخيه تداعيات الحرب على الاستقرار الباكستاني. ويضاف إلى ذلك أن إسلام آباد تخوض في الوقت ذاته مواجهةً أمنية مع طالبان الأفغانية عبر حدودها الشرقية، فضلاً عن تعقيدات ميثاق الدفاع المشترك الذي أبرمته مع الرياض في سبتمبر من عام ألفين وخمسة وعشرين، والذي يضعها في موقف بالغ الحساسية بين الحليف السعودي والجار الإيراني.

وبينما تبدأ المحادثات وسط أجواء من الحذر الشديد، لا يزال مشهد الوفد الإيراني يعكس حجم الهوّة التي يجب ردمها. فقاليباف، رئيس البرلمان ومستشار المجلس الأعلى للأمن القومي ومهندس المقاربة التفاوضية الإيرانية، جاء محاطاً بوزير الخارجية عراقجي ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي وعدد من المسؤولين العسكريين والاقتصاديين والبرلمانيين ، وهو تشكيل يوحي بأن طهران تتعاطى مع مفاوضات هرمز بوصفها حزمة شاملة تطال ملفات النووي والعقوبات وإعادة الإعمار والتوازن الإقليمي دفعةً واحدة. وقد كان قاليباف صريحاً في إعلان شرطَين مسبقَين: وقف إطلاق النار في لبنان، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة في الخارج والتي تبلغ نحو سبعة مليارات دولار. في المقابل، وصل فانس إلى إسلام آباد بعد أن حذّر طهران من محاولة “التلاعب” بالمسار التفاوضي، وقال وهو يغادر واشنطن: “إن كانت إيران مستعدة للتفاوض بجدية، فنحن منفتحون على مدّ اليد”. وقد أبلغ ترامب الصحفيين من البيت الأبيض بأن نتيجة المفاوضات “ستتضح في غضون أربع وعشرين ساعة” ، وإن كان المحللون يرون في ذلك تفاؤلاً يتجاوز معطيات المشهد الراهن.

إن ما يجري في إسلام آباد لا يُقرأ باعتباره مجرد حدث دبلوماسي معزول، بل هو مؤشر على إعادة رسم بنية النفوذ في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا معاً. فصعود باكستان إلى مقعد الوسيط المركزي في المواجهة الأمريكية الإيرانية يؤشر على أن خريطة القوة الناعمة الإقليمية لم تعد حكراً على الفاعلين الخليجيين التقليديين، وأن الدول التي تجمع بين الجغرافيا والشبكات والاعتدال الاستراتيجي يمكن أن تملأ الفراغ حين تتعطل الآليات المألوفة. وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأعمق ليس “لماذا باكستان؟” بل “كيف لم نرَ هذا من قبل؟”