بداية نهاية “الحقبة الإيرانية”.. تفاصيل 40 يوماً غيّرت وجه الشرق الأوسط

في هذا التحليل نستعرض كيف تحولت حرب الأربعين يوماً على إيران إلى نقطة انعطاف تاريخية: ضربات أعادت البرنامج النووي سنوات للوراء، زلزال في هرم القيادة بمقتل خامنئي، تفكك متسارع لمحور “المقاومة”، وانتقال مركز التفاوض إلى إسلام آباد.

فريق التحرير

ملخص المقال

إنتاج AI

تتناول المقالة تداعيات حرب مدمرة على إيران، أدت إلى تدمير بنيتها التحتية العسكرية والنووية، ومقتل قادتها، مما أحدث فراغاً في السلطة وصعود ثلاثي حاكم. كما تستعرض المقالة محاولات إيران للابتزاز الاقتصادي عبر مضيق هرمز، وصمود دول الخليج، وانهيار محور المقاومة، وانتقال مركز الثقل الجيوسياسي إلى آسيا، مع طرح سيناريوهات مستقبلية لإيران.

النقاط الأساسية

  • حرب الـ 40 يومًا تدمر البرنامج النووي والعسكري لإيران وتطيح بقيادتها.
  • قيادة جديدة ثلاثية تحكم إيران بعد مقتل خامنئي، مع احتمال تهريب اليورانيوم.
  • محور المقاومة ينهار، ومضيق هرمز يصبح ورقة ابتزاز مرفوضة دوليًا.

بعد عقود من حروب الوكالة والتوترات المستمرة منذ ثورة 1979، يبدو أن الشرق الأوسط يقف اليوم على أعتاب واقع جيوسياسي جديد كلياً. حرب الـ 40 يوماً التي عصفت بإيران مطلع عام 2026 لم تكن مجرد جولة تصعيد اعتيادية، بل كانت “الأشرس” وربما الضربة القاضية لاستراتيجية طهران الإقليمية.

في مقابلة حصرية ومعمقة، يُشرّح الدكتور خطار أبو دياب، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس والمدير التنفيذي لمجلس الجيوسياسية، تداعيات هذه الحرب التي أعادت البرنامج النووي والعسكري الإيراني سنوات إلى الوراء، وأسقطت رؤوس هرم القيادة، ووضعت محور “المقاومة” أمام اختبار البقاء أو الانهيار.

زلزال في هرم القيادة.. من يحكم إيران اليوم؟

لم تقتصر الخسائر الإيرانية على الحجر والمعدات، بل طالت العصب الاستراتيجي للنظام. مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار المسؤولين الإيرانيين ترك فراغاً لا يمكن سده بسهولة. يوضح د. أبو دياب أن النظام فقد عقله المدبر وافتقد للشرعية الدينية التي كان يمثلها المرشد، مشيراً إلى أن محاولات توريث السلطة لنجله “مجتبى خامنئي” تفتقر للغطاء الشرعي والشعبي.

وفي ظل هذا الفراغ، برز “ثلاثي حاكم” يدير المشهد المأزوم، ويتألف من:

  • أحمد وحيدي
  • محمد باقر قاليباف (رئيس البرلمان والقيادي في الحرس الثوري)
  • الجنرال محمد باقر ذو القدر (أمين عام مجلس الأمن القومي)
Advertisement

ويشير أبو دياب إلى مفارقة خطيرة؛ فهذا الفريق الراديكالي هو من يسيطر فعلياً على أموال واقتصاد إيران. وفي حين قد تدفعهم أيديولوجيتهم نحو الانتحار السياسي، إلا أن “رغبتهم في الحفاظ على ثرواتهم ورساميلهم” قد تجبرهم على الانحناء للعاصفة، على غرار ما فعلته أنظمة سابقة حين شعرت بالانهيار الوشيك.

دمار البنية التحتية ولغز “اليورانيوم المفقود”

على الصعيد العسكري، كانت النتائج كارثية على طهران. التقديرات تشير إلى أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية المتتالية أعادت إيران ما بين 5 إلى 10 سنوات إلى الوراء.

  • شلل عسكري: تدمير شبه كامل لقدرات الدفاع الجوي، وضرب ما بين 50% إلى 70% من منصات الصواريخ، وتحييد سلاح البحرية والغواصات.
  • الضربة النووية: تعرضت منشآت حيوية مثل “فوردو”، “نطنز”، و”أصفهان” لدمار هائل يعيق أي محاولة قريبة لاستئناف التخصيب.

ورغم هذا الشلل، يحذر د. أبو دياب من “اللغز الأكبر”، والمتمثل في مصير 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. ففي حين تعتقد الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب أن هذه الكمية دُمرت تحت الأرض، يبقى الاحتمال قائماً بأن طهران نجحت في تهريبها إلى منشآت سرية، وهو ما يبقي خطر امتلاكها لـ “القنبلة النووية” ورقة مساومة أخيرة في يد النظام.

ابتزاز عالمي في “مضيق هرمز”.. وقرصنة مرفوضة

Advertisement

أمام تفوق الآلة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، لجأت إيران إلى استراتيجية “حافة الهاوية” الاقتصادية. حاولت طهران استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط وابتزاز للاقتصاد العالمي، عبر فرض خطة من 10 نقاط تتضمن اعترافاً دولياً بسيادتها على المضيق وحقها في جني “رسوم مرور”.

يصف د. أبو دياب هذا التحرك بأنه “بلطجة وقرصنة” تخالف القانون الدولي لقانون البحار، مؤكداً أن المضيق ممر دولي وليس قناة وطنية كقناة السويس أو بنما. وقد قوبل هذا المطلب الإيراني برفض قاطع ليس فقط من واشنطن والدول الأوروبية والخليجية، بل حتى من سلطنة عمان (المجاورة للمضيق) ومن الصين التي ترفض أي تهديد لسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

دول الخليج: صمود في وجه العاصفة

تطرقت المقابلة إلى الموقف الخليجي إبان الحرب. فرغم تلقي دول مثل الإمارات، السعودية، البحرين، والكويت لضربات مباشرة أو عبر ميليشيات موالية لإيران في العراق، أثبتت دول الخليج متانة بنيتها التحتية واستقرارها المؤسسي.

يؤكد أبو دياب أن ضرب الخليج، وتحديداً الإمارات التي تمثل نموذجاً اقتصادياً عالمياً، كان بمثابة انتقام إيراني من الاقتصاد الدولي بأكمله. ويدعو في هذا السياق إلى ضرورة إلزام طهران بدفع تعويضات لدول الخليج المتضررة، وتطوير دور مجلس التعاون الخليجي ليصبح قوة دفاعية رادعة تحمي “رئة العالم العربي”.

انهيار محور “المقاومة” وانتقال مركز الثقل إلى آسيا

Advertisement

لعل أبرز التحولات الاستراتيجية تتمثل في التفكك المتسارع لما يُعرف بـ “محور المقاومة”. يرى أبو دياب أن الانهيار بدأ فعلياً بعد أحداث السابع من أكتوبر، وتعمق بسقوط النظام السوري، وانسحاب أوراق القوة من لبنان، والتخبط داخل الفصائل العراقية.

المفاجأة كانت في الموقف “الحوثي”، الذي تميز بالبراغماتية والحذر. فبحسب التحليل، تجنب الحوثيون الانخراط الكلي في الحرب لإنقاذ حكمهم في اليمن، متذرعين بأن “إيران قوية ولا تحتاج لمن يساندها”، في محاولة مكشوفة لتجنب غضب واشنطن والضربات الانتقامية.

على الصعيد الدبلوماسي، أشار أبو دياب إلى تراجع الدور الأوروبي بشكل غير مسبوق. فالمفاوضات الحاسمة لم تعد تُعقد في جنيف أو فيينا، بل انتقلت إلى العاصمة الباكستانية “إسلام آباد”، في دلالة واضحة على تعاظم النفوذ الصيني وانتقال مركز الجاذبية الجيوسياسية إلى القارة الآسيوية.

ماذا بعد؟ بين الانفجار الداخلي والسلام المفروض

في ختام تحليله، يضع الدكتور خطار أبو دياب المشهد الإيراني أمام سيناريوهات مفتوحة:

  1. الرضوخ العقلاني: أن تقبل القيادة الجديدة بالشروط الأمريكية (تصفير التخصيب واستلام يورانيوم مخصص للأغراض السلمية عبر كونسورتيوم دولي) للحفاظ على ما تبقى من النظام وثرواته.
  2. الغليان الشعبي: أن يؤدي هذا الانكسار العسكري والاقتصادي إلى تجدد الاحتجاجات الشعبية التي قُمعت بوحشية في الماضي، مما قد يسرع في انهيار النظام من الداخل.
  3. الانتحار العسكري: محاولة إيران التوجه فعلياً نحو العتبة النووية العسكرية وإلغاء فتوى تحريم السلاح النووي، وهو ما سيعني حتماً اشتعال “حرب ثالثة ستكون أشرس مما سبق”.
Advertisement

إن حقبة النفوذ الإيراني المطلق التي بدأت منذ عام 2003 تتهاوى أمام أعين العالم. وما ستسفر عنه مفاوضات “إسلام آباد” في الأشهر القليلة القادمة لن يحدد مصير إيران فحسب، بل سيرسم خارطة جديدة للشرق الأوسط لعقود قادمة.