المسؤولون الإسرائيليون لا يكتفون بالمطالبة بتنفيذ القرار 1701 أو إبعاد مقاتلي حزب الله عن الحدود، بل يربطون بوضوح بين استمرار بقاء الجيش في جنوبي لبنان وبين “إزالة التهديد” الذي يمثله حزب الله إلى حدّ بعيد، ما يعني عملياً اشتراط تحييد قدراته العسكرية في الجنوب قبل أي انسحاب جوهري.
ورغم أن الصياغات الرسمية تتحدث عن “إنهاء التهديد” و”تفكيك البنية التحتية” أكثر من الحديث عن “إزالة الحزب بالكامل”، فإن الرسالة الجوهرية هي أن الانسحاب لن يتم قبل تحقيق تغيير جذري في وضع حزب الله جنوب الليطاني، وبما يضمن أمن المستوطنات الشمالية الإسرائيلية وفق الرؤية الإسرائيلية.
ماذا تقول التقارير عن نية البقاء في جنوب لبنان؟
تقرير حديث لصحيفة “وول ستريت جورنال” أشار إلى أن إسرائيل لا تعتزم الانسحاب من جنوبي لبنان في المدى القريب، بل تتجه نحو تثبيت وجود عسكري طويل نسبياً داخل ما تسميه “منطقة عازلة”. وبحسب ما نقلته الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين وأميركيين، يخطط الجيش للبقاء جنوب نهر الليطاني، مع توسيع العمليات البرية والجوية ضد أهداف حزب الله.
هذه الرؤية تتقاطع مع تقارير أخرى لـ“رويترز” ووسائل إعلام دولية أشارت إلى أن الجيش الإسرائيلي بدأ بالفعل بإقامة خط دفاع متقدم داخل الأراضي اللبنانية، وتدمير بنى تحتية وجسور تعتبرها تل أبيب جزءاً من شبكة تحرك ونقل سلاح تابعة لحزب الله. وبذلك تتبلور ملامح “حزام أمني” جديد، أعمق من الخطوط التي كانت معتمدة قبل انسحاب عام 2000، ومرتبط هذه المرة بمسار الحرب الأوسع ضد إيران.
هل يشترط المسؤولون “إزالة حزب الله”؟
- وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس صرّح في أكثر من مناسبة بأن القوات ستواصل العمليات في جنوب لبنان حتى “إزالة التهديد الذي يمثله حزب الله” عن مستوطنات الشمال.
- تقارير صحفية نقلت عنه القول إن الجيش سيطر وسيواصل السيطرة على “منطقة أمنية” تمتد حتى نهر الليطاني، وأن عودة السكان اللبنانيين إلى هذه المنطقة لن تُسمح قبل ضمان أمن الإسرائيليين في الشمال.
في موازاة ذلك، تكشف تقارير عن محادثات مع وسطاء أميركيين وفرنسيين أن إسرائيل تشترط “انسحاب حزب الله شمال الليطاني، ونزع سلاحه الثقيل في الجنوب، وتفكيك البنية العسكرية قرب الحدود” كمنطلق لأي ترتيبات دائمة. هذا الخطاب لا يتحدث عن حلّ الحزب سياسياً على مستوى لبنان كله، لكنه يضع سقفاً عالياً يتعلق عملياً بتحجيم وجوده العسكري إلى مستوى تعتبره تل أبيب “مقبولاً أمنياً”.
فشل الدولة اللبنانية كعامل مبرِّر للبقاء
التقارير الغربية تشير إلى أن إسرائيل تبرّر خطتها بالبقاء جنوب الليطاني بعجز الدولة اللبنانية عن تنفيذ التزاماتها السابقة. وترى تل أبيب، وفق هذه المصادر، أن الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني لم يطبقا بشكل فعلي بنود القرار 1701 المتعلقة بمنع تموضع حزب الله المسلح في الجنوب ومنع إعادة بناء تحصيناته.
مسؤولون أميركيون وإسرائيليون نقلت عنهم “وول ستريت جورنال” ووسائل أخرى حذّروا من أن استمرار هذا “العجز” قد يدفع إسرائيل إلى تصعيد أعنف في لبنان، يشمل توسيع الحزام الأمني واستهداف أوسع للبنى التحتية التي تقول إسرائيل إن الحزب يستخدمها. وبذلك يُربط مصير الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب بمستوى قدرة الدولة اللبنانية أو استعدادها لمواجهة نفوذ حزب الله هناك.
تصريحات نتنياهو وكاتس حول أفق العمليات
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أكّد في تصريحات نقلتها وسائل إعلام دولية أنه أصدر أوامر للجيش بتوسيع العمليات في جنوب لبنان “لإبعاد تهديد الصواريخ المضادة للدروع والصواريخ بعيدة المدى عن بلدات الشمال”. وكرّر أن الهدف هو “إزالة التهديد” قبل مناقشة ترتيبات دائمة على الحدود، في إشارة إلى أن وقف العمليات أو الانسحاب لن يكون سريعاً.
بدوره شبّه وزير الدفاع يسرائيل كاتس ما يجري في جنوب لبنان بنموذج غزة، متحدثاً عن “منطقة أمنية” تُزال منها المباني والبنية المدنية القريبة من الحدود لتوفير عمق أمني إضافي. هذه اللغة تعكس تصوراً يقوم على تغيير جغرافي – أمني ملموس في الجنوب، وليس مجرد عملية محدودة أو ضغط عسكري ظرفي.
الخلاصة: شرط أمني مشدّد لا “حلّ سياسي” كامل
استناداً إلى المعطيات المتاحة، يتضح أن المسؤولين الإسرائيليين يربطون انسحابهم من جنوب لبنان بتحقيق شرط أمني صارم هو “إزالة تهديد حزب الله” عن الشمال، عبر إبعاده شمال الليطاني وتفكيك بنيته العسكرية في الجنوب، أكثر من اشتراط “إزالة الحزب” كقوة سياسية لبنانية بالكامل. لكن سقف هذا الشرط الأمني مرتفع عملياً لدرجة يراه كثير من المراقبين قريباً من محاولة تغيير موازين القوة في لبنان جذرياً، بما قد يعني استمرار وجود عسكري إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية لفترة طويلة ما لم تفضِ التسويات أو الضغوط الدولية إلى صيغة مختلفة




