في مشهد دبلوماسي لافت، التقى المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في برلين، يوم الاثنين 30 مارس 2026. وأعلنا معاً عزمهما إعادة نحو 80% من اللاجئين السوريين المقيمين في ألمانيا إلى بلادهم خلال ثلاث سنوات. وتمثّل هذه الخطة التحوّل الأكبر في السياسة الألمانية تجاه الهجرة منذ عقد كامل.
مليون سوري ونسبة 80%… من أين جاءت؟
تُشير أرقام السلطات الألمانية إلى أن نحو مليون سوري يقيمون في ألمانيا حالياً، وفقا لوكالة شينخوا. وأوضح ميرتس، خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع الشرع، أن هدف الـ80% جاء باقتراح من الرئيس السوري نفسه. وقد أكدت وكالة رويترز أن الرقم يتراوح بين 700 ألف و800 ألف شخص ممن طلبوا اللجوء رسمياً، وهم المستهدفون الرئيسيون بالعودة.
الوضع الراهن للسوريين في ألمانيا
رصد المكتب الإحصائي الفيدرالي الألماني، بحلول نهاية عام 2024، نحو 1.22 مليون شخص من أصول سورية يقيمون في ألمانيا، من بينهم نحو 713 ألف حامل صفة اللاجئ. وتحمل نسبة تبلغ 90% منهم تصاريح إقامة إنسانية مؤقتة مرتبطة بوضع الحماية، فيما يحمل نحو ربعهم الجنسية الألمانية عبر التجنيس.

أرقام العودة في 2025: البدايات الأولى
شهد عام 2025 ارتفاعاً ملموساً في أعداد العائدين، وإن ظلّت الأرقام محدودة قياساً بحجم الوجود السوري الكلي. فقد أعلن المكتب الفيدرالي للهجرة واللاجئين (BAMF) أن 5976 سورياً قدّموا وثائق الاستفادة من برنامج العودة الطوعية خلال عام 2025، وأن 3678 منهم عادوا فعلياً إلى سوريا. وكشف المكتب أن إجمالي المستفيدين من برامج العودة المموّلة حكومياً بلغ 16576 شخصاً عام 2025، بارتفاع ملحوظ مقارنة بـ 10358 شخصاً عام 2024. وفي السياق ذاته، انخفض وصول الأفراد السوريين إلى ألمانيا من 74600 شخص في التسعة أشهر الأولى من 2024 إلى نحو 40000 شخص في الفترة نفسها من 2025، بانخفاض 46.5%، وفق المكتب الإحصائي الفيدرالي.
آلية العودة: من يغادر أولاً؟
كشف ميرتس أن الأولوية الأولى في برنامج العودة ستستهدف من لا يمتلكون إقامة قانونية سارية، ثم مرتكبي الجرائم الجنائية. أما السوريون المندمجون في سوق العمل والمتمتعون بإقامة مستقرة،فأن الحكومة الألمانية تعتزم السماح لهم بالبقاء أو الحصول على إقامة طويلة الأمد.

برنامج الهجرة الدائرية: نموذج جديد
قدّم الرئيس الشرع خلال زيارته برلين رؤيةً مختلفة للعودة، تقوم على ما وصفه بـ”الهجرة الدائرية”. وأوضح الشرع، وفق الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، أن دمشق تعمل مع برلين على نموذج يُتيح للكفاءات السورية المساهمة في إعادة إعمار وطنها دون التخلي عن استقرارهم في ألمانيا. وأشار ميرتس إلى أن الشركة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) وبنك التنمية الألماني (KfW) يعتزمان فتح مكاتب لهما في سوريا لدعم مشاريع إعادة الإعمار. كما أعلنت الحكومة الألمانية تخصيص أكثر من 200 مليون يورو هذا العام لدعم إعادة إعمار سوريا، تُخصَّص بالدرجة الأولى لشبكات المياه والمستشفيات.
جدل سياسي داخل ألمانيا
لم تمرّ الخطة دون جدل سياسي داخلي. فقد أثار وزير الخارجية الألماني يوهان وادفول جدلاً واسعاً حين صرّح خلال زيارة سابقة لسوريا بأن “الحياة الكريمة تكاد تكون مستحيلة” هناك، وهو ما تعارض مع تصريحات ميرتس، قبل أن يعود وادفول ليؤكد لاحقاً أنه يتفق مع المستشار في ملف العودة. وفي المقابل، رأت زعيمة حزب اليسار إيريس شفيردتنر أن سوريا ما تزال غير مستقرة بما يكفي لتشجيع العودة. وأشارت شبكة CNN إلى أن كيفية تنفيذ عمليات الترحيل القسري تبقى غامضة حتى الآن، إذ أعلنت الحكومة الألمانية حتى الآن نيّتها ترحيل المجرمين فحسب.

تحديات قائمة تُعقّد المشهد
رصد تحقيق دويتشه فيله في فبراير 2026 جملةً من التحديات التي تُعيق تسريع العودة. فكثير من السوريين بنوا حياة مستقرة في ألمانيا؛ إذ تُشير بيانات الحكومة الألمانية إلى أن نحو نصف السوريين في سنّ العمل يشغلون وظائف فعلية في سوق العمل الألماني. وتواجه سوريا من جهتها تحديات جسيمة تتعلق بالبنية التحتية وإعادة الإعمار، وهو ما دفع ميرتس إلى الإعلان عن حزمة التمويل الألمانية. وتشير بيانات يوروستات المنشورة عبر مركز أبحاث الهجرة الأوروبية إلى أن طلبات اللجوء السورية في دول الاتحاد الأوروبي انخفضت بنسبة 68.8% خلال الفترة الممتدة من يناير إلى يوليو 2025 مقارنةً بالعام السابق، مما يعكس تراجعاً واسعاً في أعداد الوافدين الجدد.
المرحلة القادمة: لجان مشتركة وخطة عمل
أعلن ميرتس، وفق ما أوردته يورونيوز عربي، عن تأسيس لجنة عمل مشتركة ألمانية-سورية ستباشر مهامها في الأيام المقبلة، وتتولى متابعة ملف العودة وبرامج إعادة الإعمار. وأكد الطرفان في البيان الختامي للقمة، أنهما وضعا خلال الأسابيع الماضية برنامج عمل مشتركاً طموحاً يشمل العودة والإعمار، وهو قيد التنفيذ حالياً.
وتبقى الأسئلة الكبرى معلّقة حتى الآن: هل يقبل السوريون المقيمون منذ سنوات بالعودة؟ وهل تستطيع سوريا استيعاب مئات الآلاف قبل اكتمال إعادة إعمارها؟




