مع انقشاع غبار الضربات الأمريكية والإسرائيلية المكثفة التي دكت طهران فجر الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026 ضمن “عملية الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury)، وفي ظل الإعلانات الإسرائيلية والأمريكية عن مقتله تحت أنقاض مجمعه المحصن مقابل نفي إيراني رسمي، تقف المنطقة على أعتاب نهاية أطول فترة حكم لرئيس دولة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. لم يكن علي خامنئي مجرد قائد سياسي؛ بل كان المهندس الفعلي لإمبراطورية من الميليشيات، والحاكم المطلق الذي أدار “حرب ظل” استمرت لعقود قبل أن ترتد نيرانها إلى عقر داره. لفهم كيف وصلت إيران والمنطقة إلى هذه اللحظة الفارقة، يجب العودة إلى البدايات. هذا هو التسلسل الزمني الكامل لحياة رجل بدأ في ظل الثورة، وربما انتهى تحت ركامها.
- التكوين ومخاض الثورة (1939 – 1980)
- 19 أبريل 1939: وُلد علي حسيني خامنئي في مدينة مشهد لعائلة دينية تقليدية (وتشير بعض المصادر إلى أن ولادته الفلكية الدقيقة توافق يوليو من العام ذاته).
- 1962 – 1979: انخرط مبكراً في الحركة المناهضة للشاه بقيادة آية الله الخميني. تعرض لستة اعتقالات ونُفي لثلاث سنوات من قبل جهاز الاستخبارات (السافاك)، مما صقل شخصيته الراديكالية وعمّق عداءه المنهجي للغرب.
- 1979 – 1980: مع انتصار الثورة الإسلامية، تدرج في مناصب حيوية؛ حيث عُين نائباً لوزير الدفاع في النصف الثاني من عام 1979، ثم إماماً لصلاة الجمعة في طهران مطلع عام 1980، وممثلاً للخميني في المجلس الأعلى للدفاع في العام ذاته.
- الدماء والصعود إلى القمة (1981 – 1989)
- 27 يونيو 1981: نجا من محاولة اغتيال بعبوة ناسفة أخفيت في جهاز تسجيل بمسجد أبو ذر في طهران. تركت الحادثة شللاً دائماً في ذراعه اليمنى، لكنها منحته لقب “الشهيد الحي” وعززت مكانته داخل الثورة.
- أكتوبر 1981: انتُخب كأول رجل دين يتولى رئاسة الجمهورية، وقاد البلاد سياسياً طوال سنوات الحرب الإيرانية-العراقية (1980-1988)، وهي الفترة التي رسخت إيمانه بضرورة الاعتماد على الذات وبناء قوة عسكرية موازية تتمثل في “الحرس الثوري”.
- 4 يونيو 1989: غداة وفاة الخميني، اختاره “مجلس خبراء القيادة” ليكون المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية. ولتعويض افتقاره للرتبة الفقهية، جرى تعديل الدستور لاحقاً لتغليب “الحنكة السياسية” على “الأعلمية الفقهية”، ليبدأ مسيرته في ترسيخ سلطته المطلقة.
- هندسة “الدولة العميقة” والقبضة الحديدية (1999 – 2019)
- يوليو 1999: اندلاع انتفاضة الطلاب في جامعة طهران. أذن خامنئي بقمعها بشدة، مؤسساً لنهجه الثابت: لا تراجع تحت الضغط الداخلي.
- يونيو 2009: دعم نتائج الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها، وأطلق العنان للحرس الثوري وميليشيا الباسيج لسحق احتجاجات “الحركة الخضراء” بوحشية، مما أحدث أول شرخ عميق وعلني بينه وبين شريحة واسعة من الشعب.
- نوفمبر 2019: اندلاع احتجاجات الوقود (“نوفمبر الدموي”). أشرف على حملة قمع دموية أسفرت عن مقتل مئات المتظاهرين، بعد إصداره توجيهاً صارماً للمسؤولين الأمنيين بإنهاء الاحتجاجات بأي ثمن لإنقاذ النظام.
- حروب الوكالة والانهيار الداخلي (2020 – 2024)
- 3 يناير 2020: اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في بغداد. تعهد خامنئي بـ “انتقام شديد”، مما أدى إلى تسريع وتيرة المواجهة وتوسيع عمليات “محور المقاومة” في المنطقة.
- سبتمبر 2022 – 2023: اندلاع انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية”. قاد المرشد حملة قمع ممنهجة رافضاً أي إصلاحات اجتماعية، مما عمق عزلة النظام داخلياً ودولياً.
- أبريل – أكتوبر 2024: عبور الخطوط الحمراء. في أبريل، أطلقت إيران لأول مرة صواريخ ومسيرات بشكل مباشر نحو إسرائيل رداً على قصف قنصليتها في دمشق. وفي أكتوبر، شنت هجوماً صاروخياً آخر رداً على الاغتيالات المتتالية لكبار قادة المحور، لتنتقل حرب الظل إلى مواجهة مباشرة ومكشوفة.
- نهاية “الصبر الاستراتيجي” والسقوط (2025 – 2026)
- يونيو 2025: اندلاع “حرب الـ 12 يوماً”. بدأت العملية في 13 يونيو بهجوم إسرائيلي منفرد استهدف البنية التحتية النووية الإيرانية، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة عسكرياً وتنضم للضربات في 22 يونيو، مما مهد الطريق لإنهاء حقبة “الصبر الاستراتيجي” الإيراني.
- 28 فبراير 2026: إطلاق الولايات المتحدة وإسرائيل لـ “عملية الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury). قصف مكثف في الساعات الأولى من الصباح (بدأ في 1:15 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي الأمريكي) استهدف المجمع الرئاسي ومكتب المرشد في طهران بشكل مباشر. أسفر الهجوم عن تدمير هيكل القيادة، وإعلان واشنطن وتل أبيب مقتله -وهو ما نفته طهران- واضعاً نهاية لما يقارب 37 عاماً من حكم القبضة الحديدية.
سواء تأكد غيابه عن المشهد أم نجا بأعجوبة، فإن علي خامنئي يترك وراءه دولة محاصرة بالأزمات، واقتصاداً منهكاً، وشبكة وكلاء إقليمية تواجه أشرس حملة اجتثاث في تاريخها. لقد بنى المرشد الأعلى نظامه على عقيدة “البقاء من خلال المقاومة وتصدير الأزمات”، لكن إصراره على المواجهة المباشرة في سنواته الأخيرة ورفضه لأي مرونة حقيقية كان بمثابة المقامرة التي أسقطت الهيكل بأكمله. التحدي الأكبر للشرق الأوسط اليوم لا يكمن في قراءة إرثه، بل في التنبؤ بما سيخرج من تحت أنقاض مجمعه: هل تنهار الجمهورية الإسلامية في فوضى عارمة، أم يخرج الحرس الثوري من بين الركام ليؤسس دكتاتورية عسكرية صريحة وبلا واجهة دينية؟




