النفط والرقائق والأسمدة.. فاتورة باهظة يدفعها العالم في مضيق هرمز

اضطراب الإمدادات يرفع أسعار النفط والغاز، ويؤثر على سلاسل التوريد العالمية.

Gemini

ملخص المقال

إنتاج AI

يشكل مضيق هرمز شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، وإغلاقه، يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزعزعة استقرار سلاسل التوريد العالمية، مع تأثيرات كبيرة على قطاعات متنوعة مثل أشباه الموصلات والطاقة.

النقاط الأساسية

  • اضطراب الإمدادات يرفع أسعار النفط والغاز، ويؤثر على سلاسل التوريد العالمية.
  • الاضطرابات تؤثر على قطاعات متعددة كالبتروكيماويات والأسمدة والمعادن وأشباه الموصلات.

يواجه الاقتصاد العالمي اليوم واحداً من أخطر التحديات الهيكلية منذ عقود، مع تحول مضيق هرمز الشريان الذي يغذي العالم بنحو 20% من احتياجاته النفطية إلى نقطة ارتكاز لصراع جيوسياسي يعيد رسم خارطة التجارة الدولية. إن التهديد بإغلاق هذا الممر الحيوي لا يعني مجرد قفزة في أسعار الوقود، بل هو نذير بزلزال اقتصادي يضرب سلاسل التوريد من أشباه الموصلات في آسيا إلى أمن الطاقة في أوروبا، وصولاً إلى استقرار الأسواق في المنطقة.

وفي قراءة تحليلية معمقة لهذا المشهد المعقد، أجرت منصة “لنا” مقابلة خاصة مع فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة “سنشري فاينانشال”، لاستشراف مآلات الأزمة الحالية. حيث نتناول السيناريوهات القاتمة التي قد تدفع بأسعار النفط نحو أسعار قياسية، ويستعرض البدائل المتاحة، والقطاعات الأكثر تضرراً، وصولاً إلى نصائح استثمارية جوهرية للتعامل مع تقلبات السوق.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في مواجهة “زلزال” جيوسياسي

ويقول فيجاي فاليشا عن التداعيات الاقتصادية المتوقعة في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة.. يُعد مضيق هرمز شريانًا حيويًا يتدفق عبره نحو 20% من الخام العالمي و4.5% من إجمالي التجارة العالمية السنوية، وبات إغلاقه يفرض تكاليف اقتصادية باهظة وآخذة في الاتساع. فقد أدى اضطراب الإمدادات لمدة شهر واحد إلى دفع أسعار خام برنت نحو مستوى 105 دولارات. ويحذر المحللون الآن من أنه في حال توسع هجمات الحوثيين لتستهدف البنية التحتية للطاقة في البحر الأحمر، فقد تقفز الأسعار بشكل أكبر لتصل إلى 140 دولارًا، بينما قد يؤدي صراع يستمر لثلاثة أشهر إلى دفع الأسعار لتتجاوز حاجز 164 دولارًا.


ويتسق هذا المشهد مع صدمات الإمداد السابقة؛ فمن الناحية التاريخية، يميل السعر للارتفاع بنحو 4% مقابل كل انخفاض بنسبة 1% في معروض النفط. كما تظهر أبحاث صادرة عن الاحتياطي الفيدرالي في عام 2023 أنه إذا ارتفعت أسعار النفط بنسبة 10%، فإن أسعار المستهلك الإجمالية في الاقتصادات المتقدمة (خارج الولايات المتحدة) ترتفع بنحو 0.4%.

ما وراء النفط: تهديدات تطال المعادن وأشباه الموصلات والأسمدة

Advertisement

ولا تتوقف الصدمة عند حدود النفط الخام، بل تمتد لتشمل شحنات المعادن والأسمدة التي تُعد الأكثر عرضة للمخاطر بين السلع غير النفطية. وتتحمل دول الخليج والدول الأفريقية العبء الأكبر من اضطراب التجارة، يليهم مستوردو الألمنيوم والأسمنت في الهند، ومستوردو الأسمدة في أستراليا وجنوب أفريقيا، ومصدرو المعادن النفيسة في الهند وتركيا وجنوب أفريقيا. كما برز تهديد جوهري في قطاع أشباه الموصلات؛ إذ أدى الضرر الذي لحق بمرفق “راس لفان” في قطر إلى توقف ثلث الإنتاج العالمي من الهيليوم تقريبًا، وهو عنصر لا يوجد له بديل في صناعة الرقائق الإلكترونية. وإذا استمر هذا التعطل لأكثر من أسابيع، قد يضطر مصنعو الرقائق إلى تعليق خطوط الإنتاج ذات الهوامش الربحية المنخفضة، مما يفاقم النقص الحاد أصلاً في قطاع الذاكرة.


وعلى صعيد الاقتصاد الكلي، تسببت الصدمة في رفع معدلات التضخم وكبح نمو الاقتصادات الكبرى في آن واحد، مما وضع البنوك المركزية في موقف حرج. وفي ظل سيناريو حرب عالية الكثافة، يتوقع المحللون زيادة التضخم بنسبة 0.7% في الولايات المتحدة، وتراجع النمو بنسبة 0.5% في المملكة المتحدة ومنطقة اليورو. وعلى العكس من ذلك، تستفيد روسيا من قفزة الأسعار العالمية التي رفعت عائدات برميل النفط الروسي، مع تقلص الفجوة السعرية الناتجة عن العقوبات نتيجة تسابق المشترين الآسيويين على تأمين إمدادات بديلة، بل إن الولايات المتحدة أصدرت إعفاءً من العقوبات للمشتريات الهندية من الخام الروسي خلال الأسبوع الأول من النزاع.

وعن التأثير المحتمل على أسواق الطاقة في أوروبا وآسيا أكد فاليشا أنه بحلول أواخر مارس، بلغت مخزونات الغاز في أوروبا 321 تيراواط/ساعة فقط، أي ما يعادل 28% من السعة الإجمالية، وهو مستوى أقل بنسبة 31% من متوسط الخمس سنوات، وذلك بعد شتاء معتدل لم يحفز على التخزين المكثف. ومع تضرر منشأة “راس لفان” للغاز الطبيعي المسال في قطر بشكل كبير، تواجه أوروبا منافسة محتدمة على الشحنات الفورية لتعويض النقص قبل شتاء 2026، مما يبقي أسعار الغاز مرتفعة لفترة أطول.

وقد ارتفعت علاوة مخاطر الغاز المسال المدمجة في الأسعار الآسيوية بالفعل بمقدار 8.4 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية منذ بدء الصراع الإيراني، وإذا استمرت الاتجاهات المسجلة في صراعات إقليمية سابقة، فقد تصل العلاوة إلى 20 دولارًا، ليرتفع سعر الغاز المسال إلى نحو 30 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. ونتيجة لذلك، يسعر المستثمرون حاليًا احتمالية بنسبة 65% لقيام البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة قبل نهاية العام.

أما في آسيا، أكبر مستهلك للنفط والغاز الخليجي، فكانت الضربة هي الأشد والأكثر تفاوتًا. وتعد اليابان وكوريا الجنوبية الأكثر عرضة للمخاطر نظرًا لاعتمادهما الكلي تقريبًا على الطاقة المستوردة ومحدودية طرق الإمداد البديلة. وفي الوقت نفسه، تواجه الهند صدمة متعددة القنوات تشمل ضربة لميزان المدفوعات للسنة المالية القادمة قد تتجاوز 130 مليار دولار، وتضم تكاليف الخام، وتدفقات رأس المال الخارجة، وارتفاع تكاليف الأسمدة، وتراجع تحويلات المغتربين من الخليج. وتشير التقديرات إلى أن وصول الخام لـ100 دولار يكبد الاقتصاد الهندي 5 مليارات دولار شهريًا، مع تراجع سنوي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.6%. ومن المرجح حدوث حالة “ركود تضخمي” إذا استمر الاضطراب.

في المقابل، تتمتع الصين بوضع أقوى نسبيًا لامتلاكها احتياطيات نفطية تكفي لنحو 80 يومًا، إلا أن الحكومة قلصت صادرات الوقود لحماية إمداداتها المحلية، مما قلل المعروض للدول الأخرى في المنطقة وزاد الضغط على الأسواق المجهدة أصلاً. ويظهر هذا الأثر بوضوح في الاقتصادات الناشئة المعتمدة على الوقود مثل الفلبين، التي تعتمد بشدة على الواردات الصينية وتواجه الآن أزمة إمداد مضافة إلى ارتفاع أسعار الخام.

وخلاصة القول، إذا ظل الخام فوق 100 دولار لفترة طويلة، فمن المرجح أن تتضرر آسيا أكثر من أوروبا. ورغم الضغوط التي ستشعر بها أوروبا من حيث تضاؤل المخزونات وارتفاع الأسعار واحتمالات رفع الفائدة، إلا أن دولها تتمتع عمومًا بمالية عامة أقوى وقدرة أفضل على الوصول لمصادر طاقة بديلة. أما آسيا فتبدو أكثر هشاشة لاعتمادها الكثيف على نفط الخليج ومحدودية خيارات الدعم في دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند والفلبين.

خارطة البدائل: خطوط أنابيب الفجيرة وينبع وسكك الحديد الخليجية

Advertisement

وعن توجد طرق شحن بديلة قابلة للتطبيق في حال استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز يقول فيجاي فاليشا.. يظل المضيق ممرًا لا غنى عنه، حيث يتعامل مع نحو 20% من تجارة النفط المنقولة بحرًا. وتعتمد كل من السعودية والعراق وإيران والكويت والبحرين وقطر والإمارات على هرمز لشحن خامها، وتتجه معظم الشحنات إلى آسيا.

وفي حال استمرار الإغلاق، ستضطر الكويت وقطر والبحرين إلى تمديد خفض الإنتاج لعدم وجود طرق بحرية بديلة لصادراتها. أما السعودية، فتقوم بإعادة توجيه الخام عبر خط أنابيب (شرق-غرب) الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر؛ ورغم وصول التدفقات للسعة القصوى للخط البالغة 7 ملايين برميل يوميًا، إلا أن ما يتم شحنه فعليًا من ينبع هو 5 ملايين برميل فقط، بينما يذهب الباقي للمصافي المحلية. ومع ذلك، لا يخلو هذا المسار من المخاطر، إذ استهدفت إيران سابقًا مصفاة في ينبع، كما أن دخول الحوثيين على خط المواجهة قد يجدد الهجمات على السفن في البحر الأحمر.

من جهتها، تستطيع الإمارات تجاوز المضيق جزئيًا باستخدام خط أنابيب بسعة 1.5 مليون برميل يوميًا يمتد إلى ميناء الفجيرة، بالإضافة إلى مرافق التخزين الدولية التابعة لشركة “أدنوك”. كما يستأنف العراق التدفقات عبر خط الأنابيب الذي يربط إقليم كردستان بميناء جيهان التركي، لكن هذا المسار لا يستوعب إلا جزءًا يسيرًا من صادراته المعتادة عبر الخليج.

أما البديل غير البحري، فيتمثل في السكك الحديدية؛ حيث تجري دول مجلس التعاون نقاشات نشطة حول ممر لوجستي عابر للخليج ترتكز نواته على “قطار الاتحاد” ومشروع سكة حديد دول المجلس. ورغم أن القطارات لا يمكنها مضاهاة حجم الشحنات البحرية، إلا أن شبكة سكك حديدية خليجية متصلة قد توفر ممرًا بريًا تكميليًا يقلل الاعتماد على المضيق لجزء من التدفقات التجارية على الأقل.


وتحدث فيجاي فاليشا عن القطاعات الاقتصادية الأكثر تضررًا من تقلبات الطاقة وأسعار الشحن وقال: أثر إغلاق المضيق على الصناعات محليًا وعالميًا، وتجاوزت الاضطرابات أسواق الطاقة لتطال الممرات البحرية والشحن الجوي والخدمات اللوجستية للموانئ. وإلى جانب ارتفاع الأسعار الفوري، تبرز تداعيات ثانوية وثالثة بالغة الأهمية:


النفط والغاز المسال: التأثير مباشر وهيكلي؛ حيث تراجعت تدفقات الخام والمشتقات عبر المضيق من 20 مليون برميل يوميًا إلى مستويات شبه معدومة، مما أجبر منتجي الخليج على خفض الإنتاج بأكثر من 11 مليون برميل يوميًا.

الشحن والخدمات البحرية: تراجعت حركة السفن بنسبة تفوق 95%، ووصلت تكاليف شحن ناقلات الخام العملاقة إلى رقم قياسي قدره 423,736 دولارًا يوميًا (زيادة بنسبة 94%)، مع انسحاب شركات التأمين الكبرى من تغطية السفن في المنطقة. واضطرت السفن للدوران حول رأس الرجاء الصالح، مما أضاف أسابيع لزمن الرحلات وسبب تكدسًا في الموانئ العالمية.

البتروكيماويات: تساهم دول الخليج بنحو ربع المعروض العالمي، ويمر 85% من صادرات البولي إيثيلين الشرق أوسطية عبر المضيق، مما أدى لرفع التكاليف في سلاسل توريد التغليف والسيارات والسلع الاستهلاكية.

الأسمدة: قفزت أسعار اليوريا من 482.50 دولارًا للطن في فبراير إلى 720 دولارًا في منتصف مارس، ورفعت وكالة “فيتش” توقعاتها لأسعار الأمونيا واليوريا لعام 2026 بنسبة 25%. وتوقفت 86% من السفن الناقلة للأسمدة من الخليج إلى شرق أفريقيا، متزامنة مع موسم الزراعة الربيعي.

المعادن: أدى تعطل إمدادات الألمنيوم والكبريت القادم من الخليج إلى تهديد إنتاج النحاس في جمهورية الكونغو الديمقراطية وتكرير النيكل في إندونيسيا. كما قفزت أسعار الهيليوم بنسبة 40% إلى 100%، مما أدى لاضطراب تصنيع أشباه الموصلات في آسيا.

اقتصاد الإمارات: صلابة القطاعات غير النفطية واحتياطيات تريليونية

وبالنسبة لدول مجلس التعاون، والإمارات تحديدًا، يبدو المشهد أكثر توازنًا؛ فرغم التأثر الملموس في قطاعات الطيران والضيافة، إلا أن الإمارات تدخل هذه المرحلة من موقع قوة. إذ تشكل القطاعات غير النفطية أكثر من 75% من اقتصادها، ويدعم مصرفها المركزي النظام المصرفي باحتياطيات أجنبية تصل لنحو تريليون درهم، فضلًا عن ميزة خط أنابيب الفجيرة التي توفر مخرجًا آمنًا لصادراتها.

وعند سؤاله عن أثر ارتفاع أسعار الطاقة على التضخم العالمي واقتصادات الدول المستوردة أكد أن دراسة حديثة للاحتياطي الفيدرالي أظهرت أن كل زيادة بنسبة 10% في أسعار النفط ترفع التضخم الأساسي بنحو 0.4% إجمالاً، تساهم فيها “التأثيرات الثانوية” بنسبة 0.15%.

تظهر تأثيرات المرحلة الأولى (مثل ارتفاع تكاليف الوقود والكهرباء والنقل) بسرعة، بينما تتسرب التأثيرات الثانوية بمرور الوقت، وتشمل تذاكر الطيران، وتكاليف الخدمات اللوجستية، والمطالبات بزيادة الأجور لمواجهة غلاء المعيشة. ويصل ذروة التأثير عادة خلال أول فصلين إلى أربعة فصول من الصدمة السعرية، لكن إذا ظلت الأسعار مرتفعة، فقد يستمر الأثر لأكثر من عامين ليتغلغل في التضخم الأساسي. وبالنسبة للمستوردين، يؤدي ذلك لاتساع العجز التجاري والضغط على العملات المحلية، مما يجبر البنوك المركزية على تشديد السياسة النقدية حتى لو كان ذلك على حساب النمو.

Advertisement

وقدم فاليشا نصيحة للمستثمرين في أسواق الطاقة وقال: في عام 2026، تشهد أسواق الطاقة تقلبات حادة مدفوعة بالمخاوف الجيوسياسية. ويجب على المستثمرين إدراك أن الارتفاع الحالي في الأسعار وأسهم الطاقة ناتج بشكل رئيسي عن التوترات السياسية، وهو ما ينعكس في حالة “Backwardation” (السعر الفوري أعلى من الآجل) التي تعكس ضغوطًا حادة قصيرة الأجل.

وتاريخيًا، تتلاشى هذه العلاوات السعرية بسرعة بمجرد تهدئة الأوضاع. ومع ذلك، قد لا تعود الأسعار لمستوياتها السابقة تمامًا بسبب الأضرار الهيكلية في البنية التحتية (كما في منشآت قطر والبحرين والسعودية والكويت).

لذا، النصيحة الجوهرية هي الحفاظ على الانضباط وتجنب القرارات العاطفية. هذه ليست مجرد مرحلة “لركوب موجة التقلبات”، بل تتطلب إدارة نشطة للمخاطر. ونظرًا لأن حركات الأسعار أصبحت غير خطية ومرتبطة بالأحداث، فإن وضع مستويات جني الأرباح ووقف الخسارة بشكل صارم وممنهج يعد أمرًا حيويًا لحماية المكاسب من التلاشي السريع عند حدوث أي انعكاس مفاجئ في الاتجاه.