تحت سقف واحد، وفي مكان سري محصن تحت الأرض خشية الموجة التالية من صواريخ التوماهوك المرافقة لعملية “الغضب الملحمي”، يجلس الآن ثلاثة رجال يمسكون بما تبقى من خيوط السلطة في الجمهورية الإسلامية. تفعيل المادة 111 من الدستور الإيراني لم يخلق مجرد مجلس قيادة لسد الفراغ، بل أنتج “ترويكا” شديدة التعقيد والتناقض لتقرير مصير أكثر من 90 مليون إيراني. طبيب جراح يمثل الوجه المدني البراغماتي، ورجل استخبارات يمسك بمقصلة القضاء، وفقيه أكاديمي يمثل العقل الأيديولوجي للمؤسسة الدينية. ثلاثة رجال، لكل منهم ساحته، ونقطة ضعفه، وأجندته الخاصة لبناء ما تبقى من هيكل الدولة.
لتبسيط هذه الخريطة المعقدة للقارئ، نعرض أولاً بطاقات الهوية الاستراتيجية لأقطاب هذه الترويكا، قبل الغوص في تشريحهم السياسي:
| وجه المقارنة | مسعود بزشكيان (رئيس الجمهورية) | غلام حسين محسني إجئي (رئيس القضاء) | عليرضا أعرافي (فقيه من مجلس صيانة الدستور) |
|---|---|---|---|
| الواجهة الاستراتيجية | المدنية والدبلوماسية | الأمنية والقانونية | الفقهية والأيديولوجية |
| التصنيف السياسي | إصلاحي براغماتي (موالٍ للنظام) | أصولي متشدد (راديكالي) | أصولي متشدد (مؤسسي) |
| مركز القوة الفعلي | التفويض الانتخابي والتفاوض الخارجي | شبكات الاستخبارات وأروقة المحاكم | الحوزات العلمية والهندسة العقائدية |
| الخلفية المهنية | جراح قلب، وزير صحة سابق | وزير استخبارات سابق، مدعٍ عام | رئيس سابق لجامعة المصطفى، فقيه أكاديمي |
| الثغرة القاتلة | رئيس مدني بلا أي سلطة أمنية أو عسكرية | تاريخ دموي يجعله مكروهاً بشدة شعبياً | يفتقر للقاعدة السياسية المستقلة |
مسعود بزشكيان: درع النظام المدني (الرئيس بلا بنادق)
دخل مسعود بزشكيان القصر الرئاسي في صيف عام 2024 حاملاً تفويضاً انتخابياً بأكثر من 16 مليون صوت، مقدماً نفسه كإصلاحي براغماتي يطمح لفك العزلة الدولية، مع تأكيده الدائم على الولاء المطلق لأسس النظام. هذا الطبيب، الذي نال تخصصاً دقيقاً في جراحة القلب وشغل منصب وزير الصحة في عهد الرئيس محمد خاتمي، يجد نفسه اليوم في واجهة الترويكا الحاكمة ليلعب دور “المفاوض”. بزشكيان هو الواجهة المدنية التي تحتاجها طهران بشدة للتقاط سماعة الهاتف والحديث مع واشنطن، فهو لا يحمل إرثاً دموياً ولا يُصنف كجنرال حرب. لكن مأساته الدستورية والسياسية تكمن في أنه رئيس بلا بنادق؛ إذ تخضع القوات المسلحة مباشرة للمرشد، مما يعني أن قرارات بزشكيان الدبلوماسية لا تساوي الحبر الذي تُكتب به ما لم يصادق عليها الضلعان الآخران. إنه الدرع المدني الذي يختبئ خلفه المتشددون ريثما تنجلي غبار المعركة.
غلام حسين محسني إجئي: مقصلة النظام والذاكرة المظلمة
إذا كان بزشكيان يمثل وجه طهران للخارج، فإن إجئي هو قبضة النظام الخانقة في الداخل. لا يمكن قراءة شخصية غلام حسين محسني إجئي بمعزل عن تاريخه المظلم؛ فهو ليس مجرد رئيس للسلطة القضائية، بل هو الذاكرة الاستخباراتية الحية للنظام. عمل إجئي وزيراً للاستخبارات بين عامي 2005 و2009 إبان عهد أحمدي نجاد، وشغل منصب المدعي العام، وارتبط اسمه تاريخياً بملفات تصفية وقمع دامية، مما وضعه على لوائح العقوبات الأمريكية والأوروبية لانتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان منذ عام 2010. دوره اليوم في مجلس القيادة المؤقت يتمثل في توفير الغطاء القانوني السريع لإحكام القبضة العرفية، ومحاكمة أي سياسي أو جنرال تسول له نفسه الانشقاق. يمثل إجئي عصا النظام الغليظة، ونقطة ضعفه الوحيدة هي الكراهية الشعبية المطلقة التي يحظى بها في الشارع الإيراني.
عليرضا أعرافي: مهندس العقيدة وصنيعة المؤسسة
الضلع الثالث والأكثر تعقيداً دستورياً في هذه المعادلة. عليرضا أعرافي لم يأتِ إلى هذا المجلس بصفته الرئاسية أو القضائية، بل تم انتخابه وتكليفه رسمياً من قِبل “مجمع تشخيص مصلحة النظام” ليكون الفقيه الممثل لمجلس صيانة الدستور في الترويكا. أعرافي، الحاصل على درجة الاجتهاد في الفقه، لا يمتلك ميليشيات مسلحة مباشرة، لكنه يمتلك سلطة “الهندسة الأيديولوجية” بصفته مديراً لجميع الحوزات العلمية في إيران منذ عام 2016، ورئيساً سابقاً لجامعة المصطفى العالمية. مهمته في هذا المجلس هي ضمان ألا تنحرف أي تنازلات سياسية قادمة عن الخطوط الحمراء لفقه “ولاية الفقيه”. ورغم نفوذه الأكاديمي والمالي الهائل داخل المؤسسة الدينية، يؤكد الخبراء أن نقطة ضعف أعرافي تكمن في كونه صنيعة خالصة للمرشد الأعلى، ويفتقر لأي قاعدة دعم سياسية أو شعبية مستقلة خارج عباءة النظام التي صنعته.
حلبة الصراع في الغرفة المغلقة
هذه الترويكا ليست فريقاً منسجماً بأي حال من الأحوال. في أي تصويت داخلي حاسم، سيجد بزشكيان نفسه معزولاً بصوت واحد براغماتي مقابل صوتين أصوليين متشددين لإجئي وأعرافي. غير أن الجناح المتشدد يدرك تماماً أن تهميش بزشكيان وإسقاطه سياسياً يعني إغلاق نافذة الاتصال الوحيدة المتبقية مع الغرب لتخفيف وطأة الضربات. في هذه الغرفة المغلقة، تتصارع إرادتان: إرادة تفكيك الألغام الخارجية التي يقودها الجراح المدني، وإرادة إحكام القبضة الداخلية التي يتقاسمها رجل الاستخبارات وفقيه الحوزة. الأيام القليلة القادمة ستختبر ما إذا كان هذا المجلس المتناقض قادراً على توقيع صك نجاة الدولة الإيرانية، أم أنه سينهار من الداخل تحت وطأة الشكوك المتبادلة.




