الجليد المشتعل… هل دشنت واشنطن عصر “القرصنة الإمبراطورية” بابتلاع الحليف الدنماركي؟

يتناول هذا السيناريو التحليلي مستقبل غرينلاند الاستراتيجية، وصراع القوى الكبرى حول الموارد النادرة والأمن العسكري في القطب الشمالي.

مجد البهو
مجد البهو
غرينلاند ومخزون الموارد النادرة

ملخص المقال

إنتاج AI

يتناول المقال قرار الولايات المتحدة بضم جرينلاند بالقوة العسكرية، ويكشف عن الأسباب الجيوسياسية والاستراتيجية وراء هذا التحرك، مثل السيطرة على العناصر الأرضية النادرة وأهمية القاعدة العسكرية الأمريكية في المنطقة، وتأثير ذلك على العلاقات الدولية والنظام العالمي.

النقاط الأساسية

  • الولايات المتحدة تهدد بضم جرينلاند بالقوة العسكرية بسبب معادنها النادرة.
  • واشنطن تخشى من سيطرة الصين على موارد جرينلاند الحيوية للتكنولوجيا.
  • التحرك يهدد حلف الناتو والنظام العالمي، ويعزز نفوذ روسيا والصين.

صباح السابع من يناير، اعتقدت أننا رأينا كل شيء، كنت أظن أن الانهيار الدراماتيكي للنظام الإيراني سيتصدر عناوين الأخبار لأسابيع، لكن يبدو أن عام 2026 يرفض أن يمنحنا لحظة لالتقاط الأنفاس. التصريح الصادم الذي خرج من البيت الأبيض قبل ساعات، ملوحاً باستخدام “القوة العسكرية” لضم جزيرة غرينلاند، لم ينسف فقط التغطية الإخبارية للملف الإيراني، بل نسف معه النظام العالمي الذي استقر في أذهاننا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

لا نتحدث هنا عن مناورة دبلوماسية، ولا عن تغريدة طائشة في ساعة متأخرة من الليل كما اعتدنا من الرئيس ترمب في دورته الأولى، نحن أمام لحظة تاريخية حرجة، قررت فيها القوة العظمى الوحيدة في العالم أن تمزق كتاب ما سمّي بـ “القانون الدولي” لعقود، وتلقي بميثاق حلف الناتو في موقد النار، هذا الحلف الذي نافس نفسه منذ تفكك الاتحاد السوفييتي، لتعلن بصراحة وقحة بعض الشيء: “حيثما تكون مصلحتنا الوجودية، تكون حدودنا السيادية، حتى لو كانت تلك الحدود تمر فوق أراضي أقرب حلفائنا”.

لنتجاوز السطحية التي تتحدث عن “صفقات عقارية” أو رغبة في توسعية، لفهم هذا الجنون الجيوسياسي، فالقصة ليست قصة عقارات، ولا هي قصة جليد، بل في جوهرها، هي حكاية البقاء في القرن الـ 21، وقصة الجدول الدوري للعناصر الكيميائية الذي درسناه في صفوف المدرسة، وتذمّرنا منه واعتقدنا أن لا فائدة منه سوى تعقيد الاختبارات، تذكرون؟ اليوم هذا الجدول سغير النظام العالمي إلى الأبد. والجزء الثاني من القصة، يتمثل في الرعب ولّده التنين الصيني والذي أصبح يسكن أروقة البنتاغون.

لماذا هذا الجليد “أغلى من الذهب”؟

الجغرافيا هي القدر، حقيقة لا بد أن نعترف بها، غرينلاند قُدِّر لها أن تجلس فوق “خزنة المستقبل” إن صحّ التعبير. تحت طبقات الجليد السميكة، وتحديداً في هضبة كفاني (Kvanefjeld) الجنوبية، يقبع أحد أكبر مخزونات العالم غير المستغلة من العناصر الأرضية النادرة (Rare Earth Elements – REEs)، هنا، يجب أن نتوقف قليلاً لنشرح للقارئ لماذا قد تخوض دولة حرباً من أجل “تُراب”.
هذه ليست مجرد معادن؛ إنها “خلطة فيتامينات الصناعة الحديثة”. نحن نتحدث عن عناصر دقيقة ومحددة لا بديل لها فيزيائياً: النيوديميوم (Neodymium): العنصر الأساسي لصناعة المغناطيسات فائقة القوة. بدون هذا المعدن، لا توجد محركات للسيارات الكهربائية (EVs)، ولا توجد توربينات رياح لتوليد الطاقة النظيفة؛ و”عناصر الحرب”، الديسبروسيوم (Dysprosium) والتربيوم (Terbium): هذه العناصر المسؤولة عن عمل أنظمة التوجيه بالليزر، ومحركات الطائرات المقاتلة لتعمل في درجات حرارة عالية، وأنظمة السونار المتطورة في الغواصات النووية؛ بدونها، تتحول المقاتلة الشبحية F-35 – فخر الصناعة الأمريكية – إلى مجرد طائرة ورقية باهظة الثمن، وتفقد صواريخ “توماهوك” دقتها الجراحية.

قرأ صنّاع القرار في واشنطن التقارير الاستخباراتية لعام 2025 بذهول، الصين، التي تسيطر أصلاً على قرابة 80% من سلسلة توريد ومعالجة هذه المعادن عالمياً، كانت على بعد خطوات من إحكام قبضتها على مناجم غرينلاند عبر عقود استثمارية طويلة الأمد مع الحكومة المحلية في “نوك”، التي كانت تطمح للاستقلال الاقتصادي عن الدنمارك، عندها، تحول الأمر في العقلية الأمريكية من منافسة تجارية إلى تهديد وجودي. التدخل العسكري الأمريكي، بهذا المعنى، ليس غزواً استعمارياً بالمعنى التقليدي للقرن التاسع عشر، بل هو عملية استراتيجية لقطع الطريق ومنع بيجين من امتلاك مفاتيح التكنولوجيا في النصف الثاني من القرن الحالي، واشنطن تقول بوضوح: “لن نسمح لبطاريات سياراتنا، ولا لصواريخنا، أن تكون رهينة لمزاج الحزب الشيوعي الصيني”. وقد صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت بالأمس، بأن الاستحواذ على غرينلاند هو ضرورة “لردع الخصوم في منطقة القطب الشمالي”.

Advertisement

ما قصة ثول.. العين التي لا تنام؟

المعادن وحدها، رغم أهميتها وحيويتها، لا تفسر التلويح بـ “القوة العسكرية” ضد حليف في الناتو، لتكتمل الصورة، يجب أن ننظر إلى السماء، وإلى الخرائط العسكرية السرية، في أقصى شمال غرينلاند، تقبع قاعدة قاعدة بيتوفيك الفضائية المعروفة سابقاً باسم “قاعدة ثول الجوية”. هذه ليست مجرد قاعدة نائية وسط العواصف الثلجية؛ هذه بمثابة عين الولايات المتحدة التي تحرس الفضاء؛ رادارات الإنذار المبكر العملاقة (BMEWS) المزروعة هناك هي خط الدفاع الأول والوحيد القادر على رصد الصواريخ الباليستية الروسية أو الصينية العابرة للقطب الشمالي باتجاه واشنطن ونيويورك.

ما تخشاه واشنطن بشدة هو سيناريو استقلال غرينلاند السياسي الكامل عن الدنمارك، لأن الإغراءات الاقتصادية الصينية لدولة غرينلاند الوليدة (لو حدث)، قد تؤدي إلى تبني سياسات حيادية، أو الأسوأ: المطالبة بإجلاء القوات الأمريكية، بالنسبة للجنرالات في البنتاغون، بقاء “ثول” تحت رحمة برلمان محلي صغير هو مخاطرة بالأمن القومي لا يمكن قبولها، لذا، قرار قلب الطاولة مطروح في أي لحظة: بدلاً من استئجار الأرض بعقود قابلة للإلغاء، سنملكها بالسيادة المطلقة.

ما يعزز المطامع في هذه الجزيرة شبه المتجمدة، أن القطب الشمالي لم يعد مجرد جليد؛ إنه “المتوسط الجديد”، الذوبان المتسارع للجليد فتح ممرات ملاحية جديدة تختصر المسافة بين آسيا وأوروبا بنسبة 40% مقارنة بطريق قناة السويس، مما يجعله شرياناً اقتصادياً حيوياً. روسيا عسكرت ساحلها الشمالي بالكامل ونشرت صواريخ “كينجال” الفرط صوتية، والصين أعلنت نفسها “دولة قريبة من القطب الشمالي”، مع كل هذا، السيطرة الأمريكية المباشرة على غرينلاند تعني إغلاق “بوابة الأطلسي” (GIUK Gap) في وجه الغواصات الروسية والكاسحات الصينية، ما بعتبر محاولة يائسة لإعادة رسم الجغرافيا العسكرية للكوكب قبل فوات الأوان.

الوسواس القديم.. من ترومان إلى ترامب وصولاً لتهديدات الغزو

الاعتقاد بأن هذا القرار هو وليد لحظة انفعال في 2026، أو رعونة من ترمب كما يسمونها هو خطأ بحق التاريخ، الحقيقة التي يغفلها الكثيرون هي أن الاستحواذ على غرينلاند حلم أمريكي استراتيجي قديم، يعود لأكثر من 100 عام، فيم 1867، وكّلت وزارة الخارجية الأمريكية تقريراً خلص إلى أن شراء غرينلاند وآيسلندا ضرورة استراتيجية، وفي عام 1946، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة، قدم الرئيس الأمريكي آنذاك هاري ترومان عرضاً سرياً للدنمارك لشراء الجزيرة مقابل 100 مليون دولار من الذهب الخالص (ما يعادل مليارات الدولارات اليوم). الدنمارك رفضت حينها، لكن أمريكا لم تنسَ الحلم. في عام 2019، عاد الرئيس دونالد ترامب في وخلال ولايته الأولى ليطرح الفكرة علناً، وقوبل وقتها بموجة سخرية عالمية اعتبرت الأمر مزحة عقارية.

Advertisement

“المزحة” تحوّلت في 2026 إلى عقيدة عسكرية، الفرق الجوهري والخطير هو الانتقال من منطق “الصفقة” إلى منطق الضم. كانت واشنطن تعرض المال في السابق؛ اليوم، تلوح بالصواريخ؛ هذا التحول يعكس شعوراً عميقاً بتراجع القوة الناعمة؛ أمريكا لم تعد واثقة من قدرتها على الإقناع أو الشراء، فلجأت إلى الأداة الأخيرة في الصندوق: البندقية.

التكلفة السياسية لهذا الإعلان باهظة لدرجة يصعب حصرها، وستتردد أصداؤها في عواصم العالم لسنوات، ففي بروكسل وكوبنهاغن، الحالة الآن تتجاوز الغضب إلى الذهول الوجودي. عندما تهدد الولايات المتحدة باستخدام الجيش لانتزاع أراضي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو (الدنمارك)، فإنها تطلق رصاصة الرحمة على مفهوم التحالف الغربي برمته، المادة الخامسة من ميثاق الناتو، الركن المقدس الذي ينص على أن الهجوم على عضو هو هجوم على الجميع، تحولت اليوم إلى نكتة سوداء.

السؤال الذي يدور في عقل كل قائد عسكري أوروبي الآن: “ضد من سنفعل المادة الخامسة؟ ضد قائد الحلف نفسه؟”. الرسالة التي وصلت اليوم إلى برلين، وباريس، ولندن، وطوكيو، واضحة ومرعبة: “أنتم لستم شركاء، أنتم محميات تابعة. وعندما تتعارض سيادتكم الوطنية مع الأمن القومي الأمريكي بمفهومه الضيق، فإن سيادتكم ستتبخر في الهواء”. أوروبا تدرك اليوم أنها تقف عارية بلا غطاء دفاعي، وأن حاميها قد يتحول في لحظة مصلحة إلى غازيها.

على الجانب الآخر، في موسكو، يمكننا تخيل الابتسامات الساخرة في الكرملين، بالنسبة للروس، هذا الإعلان هو أعظم هدية دعائية في التاريخ، لطالما جادلت موسكو بأن الغرب منافق، وأن القانون الدولي هو أداة تستخدمها واشنطن فقط لتقييد الآخرين. واليوم، سيقول بوتين للعالم: “انظروا، عندما ضممنا القرم قلنا إنه ضرورة أمنية فصرخوا، واليوم يهددون بضم غرينلاند لنفس السبب”. هذا الإعلان يمنح روسيا والصين الضوء الأخضر “الأخلاقي” للتصرف بوحشية في مناطق نفوذهما (أوكرانيا، تايوان، بحر الصين الجنوبي) دون أن يملك الغرب ذرة خجل للإدانة.

ليكتمل الكابوس، قصة غرينلاند قد لا تكون الفصل الأخير، بل مجرد “مقبلات” استراتيجية على طاولة التوسع الأمريكي الجديد، هذا التحرك العسكري نحو القطب يعيد للأذهان بشكل مزعج، تلك الأصوات التي تعالت في واشنطن خلال العامين الماضيين، والتي كنا نتعامل معها بسذاجة على أنها مجرد هرطقات انتخابية شعبوية، حول ضم كندا لتكون الولاية الـ 51.

المنطق الأمريكي الجديد يقول: إذا كانت السيادة عائقاً أمام الأمن القومي في غرينلاند، فلماذا تكون مقدسة في أوتاوا؟ كندا، بمواردها الهائلة من المياه والنفط والمعادن، تمثل “الجسم” الجغرافي الذي يربط “الرأس” (غرينلاند وألاسكا) بالولايات المتحدة. سقوط غرينلاند عسكرياً في القبضة الأمريكية يعني عملياً أن كندا أصبحت محاصرة استراتيجياً بين فكي كماشة من الشمال والجنوب ومن الغرب (ألاسكا). الرسالة الضمنية للكنديين أن مشروع “القدر المتجلي” الذي حرك الاستيطان الأمريكي في القرن الـ 19 قد عاد من كتب التاريخ، لكنه هذه المرة لا يتجه غرباً، بل شمالاً، ليلتهم خريطة القارة بأكملها ويدمجها قسراً تحت راية “القلعة الأمريكية الموحدة”.

Advertisement

نحن اليوم، في السابع من يناير 2026، ندخل رسمياً عصر “الغابة الدولية”، سقط القناع الليبرالي الذي ارتدته واشنطن لعقود (هذا إن كان موجود)، وظهر الوجه الحقيقي للإمبراطورية التي لا ترى في العالم إلا موارد يجب تأمينها، وتهديدات يجب سحقها.

واشنطن اليوم تشرعن مبدأ خطيراً: “حاجة القوي تبرر سحق سيادة الضعيف، حتى لو كان صديقاً”. قد تنجح الولايات المتحدة عسكرياً في السيطرة على صخور غرينلاند وجليدها، وقد تؤمن مخزونها من النيوديميوم للسنوات الخمسين القادمة لتضمن تفوقها التكنولوجي، لكنها في المقابل خسرت شيئاً لا يمكن تعويضه بأطنان الذهب أو المعادن: لقد خسرت “روحها” و”قيادتها الأخلاقية” للعالم الحر (مرة أخرى، إن وجدت).

التاريخ سيكتب أن النظام العالمي القائم على القواعد لم يمت بضربة نووية، ولا بجائحة فرضها فيروس قادم من الصين، بل مات في صباح شتوي بارد، عندما قررت حامية الحريات أن تتحول إلى قرصان يسرق أراضي أصدقائه تحت تهديد السلاح، معلنة بداية عصر جديد، عصر لا صوت فيه يعلو فوق صوت المصالح العارية، ولا قانون فيه يحمي الضعيف من أنياب القوي.