فراغ في قمة الهرم: هل يخلع الحرس الثوري عمامة الولي الفقيه ليحكم إيران بالبزة العسكرية؟

الحرس الثوري يستعد للعب دور أكبر في مستقبل إيران وسط فراغ السلطة.

مجد البهو
مجد البهو

ملخص المقال

إنتاج AI

بعد ضربة استهدفت مجمع المرشد الأعلى، تواجه إيران فراغاً في السلطة. يبرز الحرس الثوري كقوة رئيسية محتملة، بينما يواجه مسار الخلافة تحديات بسبب مقتل رئيسي ورفض توريث نجل المرشد. قد يؤدي ضعف السلطة المركزية إلى اضطرابات داخلية وانتفاضات في المناطق المهمشة.

النقاط الأساسية

  • الحرس الثوري يستعد للعب دور أكبر في مستقبل إيران وسط فراغ السلطة.
  • الشارع الإيراني يمثل قنبلة موقوتة قد تندلع مع أي ضعف في قبضة النظام.

بينما لا يزال الدخان يتصاعد من أنقاض مجمع المرشد الأعلى والمجمع الرئاسي في طهران إثر “عملية الغضب الملحمي” فجر الثامن والعشرين من فبراير، يبرز سؤال واحد يطغى على دوي الانفجارات: من يحكم إيران اليوم؟ سواء أثبتت الأيام القادمة مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي أو بقاءه معزولاً وعاجزاً عن إدارة المشهد، فإن الهيكل الهرمي الصارم لـ “الجمهورية الإسلامية” قد تعرض لضربة زلزالية. وفي قلب هذا الفراغ المفاجئ، لا تقف المؤسسة الدينية التقليدية وحدها، بل يقف “الحرس الثوري الإيراني” (IRGC)، حاملاً سلاحه، ومستعداً للعب الدور الأكبر في مستقبل إيران.

  1. موت “الخلافة الطبيعية” ونهاية الخيارات الآمنة
    نظرياً، ينص الدستور الإيراني على أن “مجلس خبراء القيادة” – وهو هيئة مؤلفة من 88 رجل دين مسناً – هو المكلف باختيار المرشد الجديد. لسد الفراغ الفوري، تم تفعيل “المادة 111” من الدستور وتشكيل مجلس قيادة مؤقت (يضم الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي، وعضواً من مجلس صيانة الدستور). لكن مسار الخلافة الدائمة أبعد ما يكون عن السلاسة.
    لقد أدت سلسلة من الأحداث إلى تدمير مسار “الخلافة الطبيعية”. مقتل الرئيس إبراهيم رئيسي في حادث تحطم مروحيته في مايو/أيار 2024 أربك الحسابات؛ فرغم أنه كان من أبرز المرشحين، أفادت تقارير بإزالته من القائمة قبل وفاته لتراجع شعبيته. أما نجل المرشد، مجتبى خامنئي، الذي يتمتع بنفوذ واسع داخل كواليس جهاز الاستخبارات، فإنه يواجه امتحاناً وجودياً في ظل رفض شعبي لـ “التوريث”. وتتعقد الصورة أكثر مع تقارير تفيد بأن خامنئي نفسه رشح قبل غيابه ثلاثة أسماء بديلة (محسني إجئي، عسگر حجازي، وحسن الخميني)، مما يترك الساحة بلا شخصية توافقية مهيمنة.
  2. جمهورية بالبزة العسكرية: هل تحانت ساعة الحرس؟
    لم يكن الحرس الثوري يوماً مجرد جيش كلاسيكي؛ بل هو إمبراطورية اقتصادية تسيطر على ما يصل إلى ثلث الاقتصاد الإيراني، وجهاز أمني وعسكري يمتلك سياسة خارجية مستقلة عبر “فيلق القدس”. طوال العقود الثلاثة الماضية، استخدم قادة الحرس عمامة خامنئي كغطاء شرعي لابتلاع مفاصل الدولة.
    اليوم، ومع تدمير مركز القيادة الروحي، تتعدد المسارات. السيناريو الأكثر ترجيحاً في دوائر الاستخبارات ومراكز الأبحاث (مثل مجلس العلاقات الخارجية CFR) هو مسار “الاستمرارية المُدارة”، حيث يتم التوافق على مرشد جديد ليكون واجهة، بينما يحكم الحرس من الخلف. لكن سيناريو إعلان الحرس الثوري لحالة “طوارئ وطنية قصوى”، وتشكيل مجلس قيادة عسكري صريح يهمش رجال الدين، يبقى مطروحاً بقوة كبديل وارد. في هذا السيناريو، ستكون السلطة الفعلية – ومفاتيح الزناد لبرنامج الصواريخ الباليستية – حصرياً في أيدي الجنرالات، لتتحول إيران فعلياً إلى ما يشبه الأنظمة العسكرية في أمريكا اللاتينية خلال السبعينيات.
  3. الشارع الإيراني: قنبلة موقوتة تنتظر الصاعق
    لا يقتصر فراغ السلطة على أروقة السياسة، بل يمتد إلى شوارع المدن الإيرانية المحتقنة أصلاً. لقد كسر الشعب الإيراني حاجز الخوف مراراً، من “نوفمبر الدموي” في 2019 إلى انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” في 2022. ورغم القمع الوحشي، فإن تسرب مقاطع فيديو تُظهر تجمعات واحتفالات علنية وواسعة بالألعاب النارية في مدن مثل طهران وكرج تزامناً مع القصف، يعكس حجم الفجوة الرهيبة بين النظام وشعبه.
    زوال الرمز الأكبر لـ “الرعب” (خامنئي) قد يشكل لحظة انهيار نفسي لقوات الباسيج، وفي المقابل، يمثل شرارة لاندلاع عصيان مدني شامل. الخطر هنا هو أن الحرس الثوري، في سعيه لإثبات سيطرته في مرحلة الانتقال، قد يلجأ إلى عنف غير مسبوق، مما يهدد بتحويل الاحتجاجات الشعبية السلمية إلى مقاومة مسلحة وحرب شوارع.
  4. شبح التفكك: أطراف تتململ
    إذا كانت طهران تعيش أزمة مركز، فإن الأطراف الإيرانية تراقب بتمعن. إيران دولة فسيفسائية تضم أقليات عرقية ودينية عانت لعقود من التهميش والقمع المزدوج.
    أي ضعف في قبضة السلطة المركزية، أو انشغال الحرس الثوري بصراعات داخلية على السلطة، قد يشعل برميل البارود في المحافظات الحدودية. سيستان-بلوشستان (حيث الأقلية البلوشية السنية) التي شهدت مجازر مروعة في السنوات الأخيرة، وكردستان الإيرانية المتمردة دائماً، وخوزستان (الأهواز) العربية الغنية بالنفط؛ كلها مناطق مرشحة للانتفاض بقوة. الانفلات الأمني في هذه المناطق لن يهدد النظام فحسب، بل يطرح سيناريو مرعباً لدول الجوار يتمثل في “تشظي” الدولة الإيرانية.

خلاصة القول، إن الضربة التي استهدفت قلب طهران لم تصب مبنىً أو شخصاً فحسب، بل أصابت “عقدة” النظام الإيراني. الأيام القليلة القادمة ستحدد ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية ستنجح في إعادة إنتاج نفسها عبر انتقال ديكتاتوري عسكري صلب، أم أنها ستنزلق نحو فوضى دموية تلتهم المركز والأطراف معاً. شيء واحد يبدو مؤكداً: إيران ما قبل 28 فبراير 2026 ليست أبداً كما بعدها.