عاش لبنان أمس الأربعاء ساعات هي الأصعب والأكثر دموية منذ اندلاع الصراع في الثاني من مارس آذار الماضي، حيث باغتت إسرائيل البلاد بأعنف غاراتها الجوية، موقعةً أكثر من 250 قتيلاً، في وقتٍ كان فيه حزب الله قد أوقف هجماته بالفعل التزاماً بهدنة الأسبوعين المبرمة بين واشنطن وطهران.
هذا التصعيد الحاد لم يكتفِ بحصد الأرواح، بل هزّ أركان الدبلوماسية؛ إذ ألقى بظلال كثيفة من الشك حول مستقبل الهدنة، خاصة مع تأكيد الرئيس الإيراني، أن استقرار لبنان يمثل شرطاً لا غنى عنه لإتمام اتفاق بلاده مع الولايات المتحدة.
ومع حلول الظهيرة، حبست العاصمة بيروت أنفاسها تحت وطأة خمس غارات متتالية غطت سماؤها بأعمدة الدخان، فيما وصفه الجيش الإسرائيلي بأنه “أكبر ضربات منسقة” منذ بدء الحرب، معلناً استهداف أكثر من 100 موقع ومركز قيادة لحزب الله في بيروت والبقاع والجنوب خلال عشر دقائق فقط.
الأرقام التي توالت كانت مروعة؛ فقد أعلن الدفاع المدني اللبناني عن مقتل 254 شخصاً وإصابة أكثر من 1100 آخرين، حيث سجلت بيروت وحدها 91 ضحية. وفي المقابل، أشارت وزارة الصحة إلى مقتل 182 شخصاً في حصيلة وصفتها بأنها غير نهائية، ليُسجل هذا اليوم كأدمى محطات الحرب التي بدأت رداً على هجوم أمريكي إسرائيلي على إيران.
وفي قلب المأساة، رصدت العدسات مشاهد قاسية؛ عمال دفاع مدني يسابقون الزمن لإجلاء امرأة مسنة عبر رافعة من مبنى مدمر جزئياً في بيروت، ودراجات نارية تحولت إلى سيارات إسعاف بديلة لنقل الجرحى وسط العجز الطبي، وفرق إطفاء تحاول السيطرة على حرائق التهمت عشرات السيارات.
هذا الوضع الكارثي دفع بنقيب أطباء لبنان، إلياس شلالا، إلى إطلاق نداء استغاثة لجميع الأطباء للتوجه فوراً للمستشفيات، بالتزامن مع إعلانات طارئة للحاجة إلى متبرعين بالدم.
دولياً، لم يجد مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، كلمات لوصف المشهد سوى “المذبحة المروعة”، معتبراً وقوعها بعد ساعات من اتفاق الهدنة أمراً “لا يصدق” يضع ضغطاً هائلاً على سلام هش يحتاجه المدنيون بشدة. ومع حلول المساء، لم تهدأ الطائرات، حيث استهدفت غارة جديدة الضاحية الجنوبية لبيروت، لتستمر فصول هذه الليلة القاسية.




