الاستعداد للذكاء الاصطناعي الخاص تبدأ باستراتيجية بيانات راسخة

الذكاء الاصطناعي الخاص يعتمد على جلب الحوسبة للبيانات بدلاً من نقلها.

فريق التحرير

ملخص المقال

إنتاج AI

تواجه الشركات في الشرق الأوسط تحدي الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنها تتجاهل أهمية جاهزية البيانات. لتحقيق "الذكاء الاصطناعي الخاص"، يجب التركيز على حوكمة البيانات وأمنها وسيادتها، بدلاً من مجرد بناء النماذج. يتطلب ذلك إطاراً يعتمد على الحوكمة الموحدة، وأمن البيانات، وجلب الحوسبة إلى البيانات لضمان الاستخدام الآمن والفعال للبيانات.

النقاط الأساسية

  • الذكاء الاصطناعي التوليدي يواجه تحديات جاهزية البيانات في المنطقة.
  • جاهزية البيانات تتطلب حوكمة موحدة وأمنًا وسيادة للبيانات.
  • الذكاء الاصطناعي الخاص يعتمد على جلب الحوسبة للبيانات بدلاً من نقلها.

بقلم أحمد شكورة، نائب رئيس المجموعة لمنطقة جنوب الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا في “كلاوديرا”


في بيئة المطابخ الاحترافية عالية الضغط، ثمة قاعدة راسخة لا يمكن تجاوزها وهي: mise en place. وتعني هذه العبارة الفرنسية حرفياً “كل شيء في مكانه”، وهي تشير إلى ذلك الإجراء الدقيق المنضبط القائم على تجميع المكونات وغسلها وتقطيعها وتنظيمها قبل إشعال أي موقد. فبدونها، يتحول موسم الذروة إلى كارثة لا يمكن السيطرة عليها.

وتواجه المؤسسات في منطقة الشرق الأوسط اليوم موسم الذروة الخاص بها، المتمثل في الذكاء الاصطناعي التوليدي. إذ تتسابق الشركات لتطبيق حلول الذكاء الاصطناعي بهدف تعزيز الكفاءة وتحقيق الابتكار ودفع عجلة النمو الاقتصادي في إطار الرؤى الإقليمية الطموحة، كرؤية المملكة العربية السعودية 2030 واستراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي. غير أن معظمها يتجاهل مبدأ mise en place؛ إذ تسعى إلى الطهي على نطاق واسع انطلاقاً من مخزن مبعثر، مجزأ، وغير آمن في أحيان كثيرة.

هذا ما يُعرف بأزمة جاهزية البيانات. وفي بيئة أعمال تُشكّل فيها أمن البيانات وسيادتها ركيزتان جوهريتان، فإن معالجة هذه الأزمة ليست مجرد مسألة سرعة، بل هي الشرط الأساسي المطلق لتحقيق ما بات يُعرف بالذكاء الاصطناعي الخاص.

المتطلب الأساسي للذكاء الاصطناعي الخاص: لا يمكنك تأمين ما لا تستطيع رؤيته

منذ سنوات، بات يُنظر إلى البيانات باعتبارها المادة الخام الجديدة للذكاء الاصطناعي، وهو توصيف في محله. لكن البيانات الخام، شأنها شأن المنتجات غير المغسولة، تمثّل عبئاً وليست أصلاً ما لم تخضع للتحضير الملائم.

Advertisement

لقد تحوّل الهدف اليوم. فالرؤساء التنفيذيون وقادة الأعمال لا يسعون إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه غاية في ذاته، بل إلى ذكاء اصطناعي يُولّد قيمة متميزة وعالية لمؤسساتهم. ولتحقيق ذلك، يحتاجون إلى بيئة محكومة تُصان فيها خصوصية البيانات وأمنها على مدار دورة حياتها بأكملها. وهذا ما أفضى إلى التحول نحو الذكاء الاصطناعي الخاص؛ إذ يتعين على المؤسسات ضمان ألا تتسرب وصفاتها السرية (الملكية الفكرية) ومكوناتها الحساسة (بيانات العملاء) إلى الفضاء العام، مع الالتزام الصارم بمعايير النظافة التشغيلية المقررة (الامتثال التنظيمي).

والحقيقة الجوهرية هنا أنه لا يمكن بلوغ الذكاء الاصطناعي الخاص دون جاهزية بيانات حقيقية. فواقع الصناعة يقول بوضوح: لتحقيق ذكاء اصطناعي ناجح، يجب أن تنصبّ الجهود على تعزيز حوكمة البيانات، لا على مضاعفة النماذج. فإن كنت عاجزاً عن تفسير مشهد بياناتك، من حيث مصادرها، والجهات التي تعاملت معها، والأماكن التي تقطنها، فأنت عاجز كذلك عن تأمينها. جاهزية البيانات هي أساس المعايير الحاكمة اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي بأمان. وفي غياب سلسلة البيانات والجودة والحوكمة، لا تكون استراتيجيتك في الذكاء الاصطناعي بطيئةً فحسب، بل قنبلة امتثال موقوتة على وشك الانفجار.

إطار مرجعي

تقوم جاهزية البيانات، بوصفها أساساً لاستراتيجية ذكاء اصطناعي آمنة ومتوافقة تنظيمياً، على ثلاثة عناصر محورية:

• الحوكمة الموحدة: معيار حوكمة شامل يكفل تطبيق سياسات الأمان والسلسلة والجودة بصورة متسقة على البيانات في جميع البيئات، سواء على البنية التحتية المحلية أو السحابية.

• أمن البيانات وسيادتها: اعتماد المعايير المفتوحة كمعاييرـ Apache Iceberg لامتلاك البيانات وتجنّب الارتهان لمورد بعينه.

Advertisement

• جلب الحوسبة إلى البيانات: ممارسة تقوم على إحضار النماذج والاستدلال مباشرةً إلى البيانات الخاضعة للحوكمة، بدلاً من نقل البيانات، مما يُقلص تكاليف الإخراج ويُقلل المخاطر الأمنية.

فخ المطبخ المؤقت في مقابل المرونة الهجينة الحقيقية

للتحايل على الفوضى السائدة في مراكز البيانات الرئيسية، يلجأ كثير من المسؤولين إلى إنشاء “مطابخ مؤقتة”، أي بيئات سحابية معزولة تُنقل إليها مجموعة محدودة من البيانات لتشغيل مشروع تجريبي بعينه. وقد يُنتج هذا النهج وصفة مبدئية جيدة، لكنه يفشل حتماً عند التوسع.

فهذا النهج يُفضي إلى ما يُعرف بـ”الضريبة السحابية”، وهي رسوم إخراج باهظة تُستحق في كل مرة تُريد فيها نقل البيانات خارج الحديقة المسوّرة لمزود خدمة بعينه. والأسوأ من ذلك أنه يكسر سلسلة الأمان؛ فحين تنقل البيانات من بيئتك الجوهرية إلى نموذج احتكاري، تفقد البيانات الوصفية والسياق اللذين يجعلانها متوافقة تنظيمياً، أو يقع عبء إعادة استنساخهما على عاتقك أو عاتق شريكك الاستشاري.

وواقع الصناعة يسير نحو البيئة الهجينة لا محالة. فبعض أحمال العمل تنتمي إلى السحابة، في حين يجب أن يبقى بعضها الآخر، نظراً للتكلفة أو الأداء أو متطلبات السيادة، على البنية التحتية المحلية. أما النهج المؤقت، فيجبرك على الاختيار بين أحدهما، مما يُقفل مكوناتك في مجمّد احتكاري لا مخرج منه.

الحل: المخزن الموحد لذكاء اصطناعي خاص في كل مكان

Advertisement

لبلوغ الجاهزية الحقيقية، يتعين على المؤسسات التحول نحو الذكاء الاصطناعي الخاص، وهو رؤية تقوم على منصة موحدة تُحضر الذكاء الاصطناعي إلى بياناتك، بدلاً من إجبارك على نقل بياناتك إلى الذكاء الاصطناعي.

يرتكز هذا النهج على نسيج بيانات موحد يعمل بوصفه مخزناً جامعاً شاملاً، يكفل جاهزية البيانات للاستخدام بصرف النظر عن موقعها. ويتألف هذا النسيج من ثلاثة عناصر:

أولاً: الحوكمة الموحدة. في المطابخ الاحترافية، تسري معايير النظافة على كل ركن دون استثناء. وبالمثل، يُنشئ نهج “تجربة البيانات المشتركة” طبقة بيانات وصفية وأمان نشطة ودائمة؛ إذ تُرافق السياسات والعلامات وسلاسل البيانات البياناتَ في كل بيئة تحلّ فيها. فإن حُرم مستخدم من الوصول إلى المعلومات الشخصية التعريفية على البنية التحتية المحلية، حُرم منها بالقدر ذاته على السحابة. وهذا ما يعالج تشرذم الحوكمة الذي يقتل مشاريع الذكاء الاصطناعي الخاص في مهدها.

ثانياً: أمن البيانات وسيادتها. يُمكّنك الذكاء الاصطناعي الخاص من امتلاك بياناتك لا من الارتهان لمورّدها. فباعتماد تنسيقات الجداول المفتوحة كـ Apache Iceberg، تضمن جاهزية بياناتك لأي أداة أو نموذج دون الوقوع في فخ الاحتكار. تحتفظ بمفاتيح مخزنك الخاص، وتكفل سيادة بياناتك الحقيقية.

ثالثاً: جلب الحوسبة إلى البيانات. بدلاً من نقل مجموعات بيانات ضخمة إلى النموذج، مع ما يستتبعه ذلك من ضريبة الإخراج، أحضر الحوسبة إلى البيانات. وهذا جوهر الذكاء الاصطناعي الخاص: تشغيل النماذج والاستدلال مباشرةً إلى جانب بياناتك الخاضعة للحوكمة، سواء في السحابة أو مركز البيانات أو على الحافة.

توقّف عن التنظيف وابدأ الطهي

Advertisement

نحن ندخل حقبة لن تذهب فيها الميزة التنافسية إلى الشركة التي تمتلك أضخم نموذج لغوي كبير، بل إلى تلك الشركة التي تثق ببياناتها ثقةً كافية تُمكّنها من توظيفها لاستخلاص رؤى فريدة وقيمة تجارية حقيقية.

الذكاء الاصطناعي الخاص ليس مجرد مصطلح رائج؛ إنه ضرورة استراتيجية حتمية للمؤسسات التي تُقدّر ملكيتها الفكرية وتصون بياناتها. غير أنه لا ينطلق من الخوارزمية، بل يبدأ بـmise en place.

فإن لم تكن بياناتك جاهزة للطهي، ضع النموذج جانباً، وأصلح المخزن أولاً.