القوانين المنتهَكة: هل التجويع جريمة حرب في غزّة؟

شدّدت إسرائيل حصارها، فغرقَت مستشفيات غزة في الظلام، جفّت صنابير المياه، وأصبح الخبز سلعة نادرة كأننا نعيش حصاراً من عهد الإمبراطورية الرومانية. في قلب هذا الليل المُثقَل بالمذابح، يموت الأطفال جوعاً، بصمت، قبل أن يتمكّنوا حتى من الصراخ. هذا ليس عرضاً جانبياً للحرب. إنها سياسة ممنهجة، وضعت ملامحها قيادات سياسية وعسكرية، ووقّعتها البيروقراطية بدم بارد.…

مجد البهو
مجد البهو
القوانين المنتهَكة: هل التجويع جريمة حرب في غزّة؟

ملخص المقال

إنتاج AI

تُلخّص المقالة الوضع المأساوي في غزة، حيث فاقمت إسرائيل الحصار، مما أدى إلى نقص حاد في الغذاء والماء

النقاط الأساسية

  • إسرائيل تشدد حصارها على غزة، مما أدى إلى نقص حاد في الغذاء والماء.
  • القانون الدولي يحظر استخدام التجويع كسلاح حرب، لكنه يُنتهك في غزة.
  • الأمم المتحدة تحذر من مجاعة وشيكة وتعتبر التجويع في غزة جريمة حرب.

شدّدت إسرائيل حصارها، فغرقَت مستشفيات غزة في الظلام، جفّت صنابير المياه، وأصبح الخبز سلعة نادرة كأننا نعيش حصاراً من عهد الإمبراطورية الرومانية. في قلب هذا الليل المُثقَل بالمذابح، يموت الأطفال جوعاً، بصمت، قبل أن يتمكّنوا حتى من الصراخ. هذا ليس عرضاً جانبياً للحرب. إنها سياسة ممنهجة، وضعت ملامحها قيادات سياسية وعسكرية، ووقّعتها البيروقراطية بدم بارد. جريمة متكاملة العناصر بحسب قوانين الحرب التي طالما تغنّت بها الدول الكبرى باعتبارها صمّام أمان “لإنقاذ البشرية من نفسها”.

منذ عام 1977، حسم القانون الجدل. المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تحظر استخدام التجويع كأداة في الحرب. تمنع أيضاً استهداف أو تدمير ما يُعدّ ضرورياً لبقاء السكان المدنيين — من الطعام والماء، إلى الحقول والمرافق الحيوية. القانون واضح ولا يحتمل التأويل: من يُجوّع المدنيين عن قصد، يرتكب جريمة حرب.

وبعد أكثر من عشرين عاماً، جاءت المادة 8(2)(ب)(xxv) من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية لتكرّس هذا المبدأ، مجرِّمةً استخدام التجويع كسلاح في النزاعات الدولية. ثم جرى توسيع نطاقها في 2019 لتشمل النزاعات الداخلية أيضاً. وعلى هذا الأساس، تقدّم المدعي العام كريم خان بطلب إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالنت، متّهماً إياهما باستخدام التجويع كوسيلة حرب. هذا الطلب، بحد ذاته، هزّ الأسطورة التي أحاطت زعماءاً ظنّوا أن حصار الخبز أكثر فتكاً من قصف الطائرات.

لكنّ القانون وحده لا يكفي. فالمأساة تُروى الآن بالوقائع. الأمم المتحدة حذّرت من “مجاعة وشيكة” في غزة، ونبّه مساعد الأمين العام لحقوق الإنسان إلى أن الإجراءات الإسرائيلية تضع السكان تحت خطر التجويع. أحد عشر خبيراً أممياً وصفوا الوضع بأنه “تجويع ممنهج”، يصل إلى حدود العنف الإبادي. أما المقرّر الخاص المعني بالحق في الغذاء، مايكل فخري، فقد قدّم للجمعية العامة تقريراً صادماً وثّق فيه كيف تحوّل الحرمان من الطعام إلى أداة لاقتلاع شعبٍ بأكمله. هذه الشهادات لا تترك هامشاً للحياد، لا أخلاقياً ولا قانونياً.

المدافعون عن الحصار يتمسكون بذريعة “الأهداف العسكرية”، لكن القانون سبقهم. المادة 54 توضح أن حتى لو كانت المنشآت الغذائية تُستخدم في دعم مباشر للعمل العسكري، فإن أي عملية يُتوقَّع أن تفضي إلى تجويع المدنيين تظل محظورة. القانون لا يعترف بـ”حصار شامل” ولا بـ”حصار ذكي”. لا يُمكن لمذكرة تحذير تُلقى من الجوّ أن تبرّر موت طفل حُرم من حليب.

هذا ليس جدلاً نظرياً. في تسعينيات القرن الماضي، أدانت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة الجنرال ستانيسلاف غاليتش بسبب حصار سراييفو، معتبرة أن تجويع المدنيين وإرهابهم جزء من استراتيجية عسكرية ممنهجة. في سوريا، اعتبرت منظمة العفو الدولية حصار الغوطة الشرقية جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية. الأدوات واحدة: منع الإمدادات، قصف المخابز، وحجب الوقود الذي يشغّل مضخات المياه. في البوسنة، سُمّي ذلك “حصاراً”. في سوريا: “منطقة خفض تصعيد حتى الجوع”. في غزة: “عملية عسكرية”. التسمية تتغيّر، لكن الجريمة تبقى.

Advertisement

المسؤولية لا تقتصر على الجنود الذين يضعون الحواجز. المادة 28 من نظام روما تضع القادة في قفص الاتهام: من كان يعلم، أو كان عليه أن يعلم، ولم يمنع أو يعاقب، فهو شريك في الجريمة. هذا يشمل رئيس الوزراء الذي يعلن “حصاراً كاملاً”، كما يشمل وزراء الحرب الذين يتحكّمون في صنبور الغذاء. ليس فقط المنفّذ على الأرض، بل من يصدر القرار.

ويبقى سؤال الدولة. إسرائيل لم توقّع على نظام روما، لكن الولاية القضائية قائمة لأن فلسطين صادقت عليه وأحالت الملف إلى لاهاي. أما مجلس الأمن، فاختبأ خلف بيانات هزيلة، اختنق معظمها بحق النقض الأميركي. واشنطن دعمت تجريم التجويع، ثم تحمي حليفاً يُمارسه. هذا ليس مجرد عجز مؤسسي؛ بل انحراف قانوني وسياسي عن سبق إصرار.

تجويع المدنيين ليس فقط جريمة حرب. إذا ارتبط بنيّة الإبادة أو الاضطهاد، يرتقي إلى جريمة ضد الإنسانية أو حتى إبادة جماعية. تقرير المقرّر الأممي فخري وضع سياسة التجويع في غزة ضمن تعريف “العنف الإبادي”. وإذا ثبت أن سياسة الحصار تهدف إلى “التدمير الجزئي أو الكلي” لجماعة قومية، فإن المادة السادسة من نظام روما تفتح الطريق نحو تهمة الإبادة الجماعية. ليست مجرد مصطلحات، بل أبواب محاكمات.

وفي الجانب الآخر من المشهد، يجلس خبراء “الأمن الغذائي” في مراكز التفكير الغربية، وهم يعرفون جيداً أن ما يحدث ليس قضاءً وقدراً. القوافل التي يُسمح بدخولها، بتقنين مهين، لا تمثّل إنقاذاً. بل أحياناً تكون جزءاً من تكتيك التجميل أو وسيلة ضغط. المنظمات الإنسانية تجد نفسها مُرغَمة على تقديم طعام مشروط بالخضوع، وكل كيس دقيق يُحتجز على معبرٍ يصبح شاهداً على جريمة تُرتكب على مرأى من المجتمع الدولي.

القضية ليست نقصاً في القوانين، بل في الجرأة على تطبيقها. قرار مجلس الأمن 2417 الصادر عام 2018 دان استخدام التجويع كسلاح، واعتبره تهديداً للسلام — ثم تُرِك يعلو الغبار في الأرشيف. في قاعة المجلس الزجاجية، تبدأ الانهيارات عندما تصبح “المساعدات” بديلاً عن وقف الجريمة. القانون يطالب برفع الحصار، والدبلوماسية تفاوض على تحسين إجراءات إدخال المساعدات. كأننا نتناقش في نوع الحبل الذي يُشنق به المحاصَر.

ماذا يمكن فعله؟ القانون الدولي ليس نصاً منزلاً، بل مساحة صراع سياسي وإعلامي وشعبي. حتى المذكرات الرمزية التي طالت قادة في البلقان لم تصنعها المؤسسات وحدها، بل دفعتها صور المقابر الجماعية وضغط الصحافة الحرة. اليوم، تمتلئ أرشيفات غزة بأدلة مرئية على تجويعٍ متعمّد. كل طفلٍ يذبل من الجوع هو شاهد محتمل. المطلوب ليس الشكوى، بل جمع الأدلة، وتأمين سلسلة توثيق تُقاوم خطاب “محاربة الإرهاب” و”حماية الأمن”.

Advertisement

وفي المحصّلة، المسألة تتجاوز إسرائيل. إذا نجح المخطّطون في الإفلات من العقاب، فستكون الرسالة واضحة: الجوع أنظف من القنبلة، وأرخص من الطائرة المسيّرة. وهذا ما يهدم آخر ما تبقى من منظومة جنيف، ويمنح الشرعية لممارسة الحصار كسلاح حضاري.

معركة غزة على الخبز والماء هي اختبارٌ حي لبقاء القانون الدولي نفسه. إذا أمكن تجويع أكثر من مليوني إنسان تحت أنظار العالم، فالمادة 54 مجرّد حبر، ونظام روما بلا وزن. نعم، التجويع جريمة حرب، لكن الصمت العالمي هو الجريمة الأكبر. من دون محاسبة حقيقية — جنائية وسياسية — ستبقى المجاعة وسيلة الحكم في عالم يدّعي الحداثة بينما يعيد تدوير أبشع أسلحة القرون الوسطى.

نحن أمام لحظة حاسمة. إما أن نُطبّق نصوصاً صيغت بعد حروب مدمّرة، أو نعترف بأن القانون الدولي لا يُساوي رغيفاً واحداً. في ظلال غزة الجائعة، يُختبَر صدق كل شعار إنساني تلوّنت به الدول الكبرى. إذا لم يُحاكَم التجويع هنا، فلن يُحاكَم في أيّ مكان. وحينها، علينا أن نكتب على بوابة الأمم المتحدة: “الدخول بدون رغيف”.