في لحظات التوتر الإقليمي، يضيق نطاق الاهتمام ليقتصر على الآني والمباشر. تتفاعل الأسواق، وتُعاد عملية تسعير المخاطر، وتتقلص الأُطر الزمنية. التصعيد الحالي مع إيران يُلقي بظلاله بشكل ملموس: فقد تراجع النشاط التجاري، وتأجّلت المشاريع، وباتت البنية التحتية الحيوية في دائرة الضوء. غير أن أكثر التحولات الاقتصادية أهمية لا تُصنعها دورة الأخبار وحدها؛ بل تُبنى على مدى عقود.
في أرجاء منطقة الخليج، يزداد وضوح هذا التوجه البعيد المدى في قطاعَين سيُحددان المرحلة القادمة من النمو العالمي: الذكاء الاصطناعي وعلوم الحياة. فحتى مع تصاعد حالة عدم اليقين على المدى القريب، تواصل الاستثمارات تدفقها في كلا القطاعَين. ذلك أنها ليست رهانات اختيارية يمكن تعليقها بسهولة، بل هي منظومات طويلة الأمد وكثيفة رأس المال. التأخير وارد، أما التخلي فلا.
لن تتحدد ملامح المرحلة القادمة من الذكاء الاصطناعي من خلال التطبيقات وحدها، بل من خلال إمكانية الوصول إلى القدرة الحاسوبية والطاقة والبيانات والكوادر البشرية؛ وهي متطلبات أساسية لا يستطيع سوى عدد محدود من الجهات تجميعها على هذا النطاق. وتسعى منطقة الخليج إلى تأهيل نفسها لتكون إحدى هذه الجهات.
في الإمارات العربية المتحدة، غدت مجموعة G42 لاعباً محورياً في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والأنظمة التطبيقية، بقدرات تمتد لتشمل الرعاية الصحية والطاقة والسحابة السيادية. وتعكس شراكتها مع مايكروسوفت – باستثمار بلغ 1.5 مليار دولار مدعوم باتفاقية ضمان حكومية دولية غير مسبوقة بين الولايات المتحدة والإمارات – تحولاً أعمق: إذ باتت شركات التكنولوجيا العالمية تنظر إلى المنطقة لا بوصفها سوقاً فحسب، بل قاعدةً استراتيجية للانتشار والتوسع.
وأن تستلزم هذه الصفقة التزامات ملزمة بشأن نقل التكنولوجيا والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي المسؤول، فهذا في حد ذاته كاشف. ما يجري ليس نشاطاً هامشياً؛ بل هو نشاط بالغ الأهمية يستدعي اهتمام الحكومات.
وتسلك المملكة العربية السعودية مساراً بالغ الطموح. وأوضح تجليات هذا الطموح هو شركة “هيومين”، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، التي أُطلقت عام 2025 برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وهدفها المُعلن بناء المنظومة الكاملة للذكاء الاصطناعي – من مراكز البيانات والبنية التحتية السحابية إلى النماذج والتطبيقات – تحت كيان سيادي واحد. وقد أعلنت هيومين عن تخصيص 23 مليار دولار لشراكات تقنية استراتيجية، وأبرمت صفقات مع إنفيديا وAMD وغروك، فيما تتواصل أعمال البناء في حرم مراكز بيانات واسعة النطاق في أرجاء المملكة. الغاية صريحة:
أن تصبح المملكة ثالث أكبر مزود للذكاء الاصطناعي في العالم، بعد الولايات المتحدة والصين.
تشير هذه الجهود مجتمعةً إلى تحوّل بنيوي عميق. لم تعد منطقة الخليج تتبنى التقنيات التي طوّرها غيرها بصورة سلبية، بل باتت شريكاً فاعلاً في تشكيل وتصميم ونشر المنظومات التي تقوم عليها هذه التقنيات.
ويتكرر النمط ذاته في قطاع علوم الحياة. على مدى معظم العقد الماضي، تمركز الابتكار في مجال التكنولوجيا الحيوية في عدد محدود من المراكز في الولايات المتحدة وأوروبا. ومع تصاعد تكاليف الابتكار الطبي الحيوي وتعقيداته، تتزايد أهمية مصادر رأس المال الجديدة والجغرافيات الناشئة.
على صعيد المنطقة، تسهم كل من مبادلة وADQ في أبوظبي، إلى جانب الدفع السعودي المحلي في مجال التكنولوجيا الحيوية ودعم قطر المستمر للمؤسسات البحثية الطبية الحيوية، في تعزيز حضور الخليج على امتداد سلسلة البحث والتصنيع والتطوير السريري. وتستجيب الشركات الدولية لهذا الزخم: إذ تتكاثر الشراكات في مجالات التجارب السريرية والجينوميات والطب القائم على البيانات، مدفوعةً بعمق رأس المال وإمكانية الوصول إلى مجموعات بيانات متنوعة.
ما يجمع هذه التطورات ليس مجرد التركيز القطاعي، بل منطق استثماري مشترك. يستلزم كل من الذكاء الاصطناعي وعلوم الحياة قدراً كبيراً من الصبر. فالاختراقات غير مضمونة، والأُطر الزمنية مطوّلة، والعوائد كثيراً ما تسير في منحنيات غير خطية. وفي كثير من الأسواق الغربية، حيث يُقاس رأس المال بصورة متزايدة وفق الأداء قصير الأجل، يُفضي هذا إلى قدر من الاحتكاك. أما في الخليج، حيث يملك المستثمرون فُسحةً زمنية أرحب، فإن ذلك يُفضي إلى فرص واعدة.
المخاطر الجيوسياسية في هذه المنطقة ليست متغيراً بعيداً؛ إنها محيطة وملازمة. من هم أقرب إليها يدركون بصورة أعمق من غيرهم أن عدم اليقين ليس مبرراً للتوقف، بل هو الشرط الذي جرى في ظله دائماً البناء الجاد على المدى البعيد.
هذه العقلية واضحة في مواصلة الخليج استثماراته في الذكاء الاصطناعي وعلوم الحياة حتى مع تصاعد التوترات في المحيط الإقليمي. إن البنية التحتية التي يجري تشييدها – في القدرة الحاسوبية والبحث السريري وأنظمة البيانات السيادية ليست رهينة ببيئة خارجية مستقرة؛ بل هي في جوهرها تحوّط في مواجهة غياب هذا الاستقرار. في ميدان الذكاء الاصطناعي وعلوم الحياة، لن يُحدَّد الفائز بمن تحرّك أسرع في ربع مالي بعينه، بل بمن بنى بأكثر اتساق على مدى الزمن. الاتساق ذاته رصيد استراتيجي. وبهذا المقياس، يكون اللعب الطويل في الخليج قد انطلق بالفعل.
نبذة عن نيكول يونكرمان
نيكول يونكرمان مستثمرة دولية متخصصة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وعلوم الحياة. وهي مؤسسة NJF Holdings، التي تقود ذراعها الاستثماري NJF Capital المتخصص في دعم الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة في مجالات التكنولوجيا العميقة والرعاية الصحية والأنظمة القائمة على البيانات، فضلاً عن Gameday by NJF Holdings المعني بالتحول التكنولوجي في قطاعَي الرياضة والإعلام.




