صباح 28 نوفمبر، حوالي الساعة الخامسة والنصف، كنت واحداً من آلاف المتجهين إلى مطار دبي الدولي. رحلة عمل من دبي إلى سان فرانسيسكو، عبر مبنى 3 على طيران الإمارات، وخطة زمنية محسوبة بدقّة: خمس عشرة دقيقة بالسيارة إلى المطار، وساعة ونصف للاجراءات قبل رحلة طويلة عبر نصف الكرة الأرضية.
لكن ما يفترض أن يكون ربع ساعة على شارع الشيخ محمد بن زايد، تحوّل إلى ما يقارب الأربعين دقيقة. نفس المسافة، نفس السيارة، نفس الطريق… لكن مدينة مختلفة رقمياً تماماً عمّا كانت عليه قبل سنوات قليلة فقط.
هذه ليست شكوى شخصية عن زحام عابر. هي لحظة صغيرة تكشف صورة أكبر: دبي اليوم مدينة على حافة نقلة نوعية في بنيتها التحتية الجوية والمرورية معاً، والزحام الصباحي إلى المطار لم يعد مجرد إزعاج، بل إشارة مبكرة لما سيحدث إذا لم تُواكب الطاقة الاستيعابية نمو المدينة واقتصادها وسفر سكانها وضيوفها.
دبي لم تعد “مدينة تعبر من خلالها الطائرات” فقط. مطار دبي الدولي (DXB) سجّل في 2024 أعلى رقم في تاريخه مع 92.3 مليون مسافر، بزيادة 6.1٪ عن العام السابق، مؤكداً موقعه كأكثر مطارات العالم ازدحاماً في حركة المسافرين الدوليين، ومتجاوزاً حتى ذروته ما قبل الجائحة في 2018.(
خلف هذا الرقم شبكة هائلة: أكثر من 272 وجهة في 107 دول، تخدمها 106 شركات طيران، وأكثر من 440 ألف حركة إقلاع وهبوط في عام واحد فقط.
في نفس الوقت، لا تنمو السماء وحدها. دبي أنهت عام 2024 بزيادة سكانية تقارب 5.5٪، مضيفة نحو 208 ألف مقيم جديد خلال عام واحد لتقترب من 3.86 مليون نسمة، واستمرت بالارتفاع متجاوزة حاجز الأربعة ملايين في 2025، مع زيادة تقارب 17,600 شخص في شهر واحد فقط في نوفمبر.
هذا النمو السكاني يُترجم مباشرة إلى سيارات على الطرق، وركّاب في المطارات، ومواعيد حساسة ترتبط برحلات دولية لا تنتظر أحداً.
لهذا، ما حدث على شارع الشيخ محمد بن زايد في فجر 28 نوفمبر ليس استثناءً غريباً، بل جزء من صورة موثّقة بالأرقام.
تقرير عالمي لحركة السير أشار إلى أن سائقي دبي فقدوا في 2024 نحو 35 ساعة في الازدحام المروري خلال العام، بزيادة ساعتين عن 2023، وبارتفاع يقارب 45٪ مقارنة بعام 2022، مع التوسع في عدد السكان والسيارات معاً.
في المقابل، تحاول المدينة ألا تستسلم لهذا “منحنى الزحام”. هيئة الطرق والمواصلات أعلنت عن تحسينات مرورية في أكثر من 50 موقعاً في دبي خلال 2024 لتحسين الانسيابية ورفع كفاءة التقاطعات.
لكن عندما تصبح حركة السفر نفسها جزءاً من معادلة الضغط – 92 مليون مسافر عبر مطار واحد – يصبح السؤال أبعد من إشارة ضوئية إضافية أو جسر تقاطعي جديد.
هنا يدخل مطار آل مكتوم الدولي (Dubai World Central) إلى المشهد
في أبريل 2024، أعلنت حكومة دبي عن إطلاق المرحلة الثانية من توسعة مطار آل مكتوم الدولي، باستثمار تقديري يبلغ 128 مليار درهم، لبناء محطة ركاب جديدة وأربع ساحات رئيسية مع خمس مدارج متوازية وأكثر من 400 بوابة، بهدف رفع الطاقة الاستيعابية إلى 150 مليون مسافر خلال العقد القادم، ثم الوصول إلى 260 مليون مسافر سنوياً، لتصبح أكبر منصة جوية في العالم من حيث السعة.
هذا القرار ليس “مشروعاً استعراضياً” بقدر ما هو استجابة رقمية لواقع رقمي:
– مطار حالي يقترب من سقفه الطبيعي عند أكثر من 92 مليون مسافر، مع توقعات نمو مستمرة.
– مدينة تسجّل واحدة من أسرع نسب النمو السكاني في المنطقة، مع خطة رسمية لمضاعفة عدد السكان تقريباً بحلول 2040.
– شبكة رحلات عالمية تطلب من دبي أن تبقى “حلقة وصل” لا تختنق عند عنق زجاجة واحد.
في هذا السياق، يصبح الانتقال التدريجي لعمليات طيران الإمارات وفلاي دبي إلى آل مكتوم الدولي خلال السنوات القادمة خطوة منطقية في سلسلة قرارات وليست حدثاً فردياً. الخطة ليست فقط إضافة مدرجات وبوابات، بل إعادة توزيع مركز الثقل الجوي للمدينة على مساحة أوسع بخمسة أضعاف المساحة الحالية تقريباً، لتقليل الاعتماد على مطار واحد محاط بشبكة طرق وصلت عملياً إلى كثافة شبه كاملة.
لكن ما علاقة كل هذا بزحام صباح واحد على شارع الشيخ محمد بن زايد؟
العلاقة بسيطة: إذا كانت ربع ساعة تتحول إلى أربعين دقيقة في يوم عادي، في مدينة تخطط لمضاعفة عدد سكانها تقريباً، وزيادة قدرتها الجوية إلى 260 مليون مسافر، فإن السؤال ليس: “لماذا الازدحام؟” بل: “كيف نمنع هذا الازدحام من التحول إلى حالة مزمنة؟”
الإجابة ليست في لوم سائق هنا أو سائق هناك، ولا في تكرار عبارة “المدينة تنمو سريعاً” كحقيقة معلّقة في الهواء.
الإجابة في النظر إلى الصورة كاملة:
- طرق تتحمل ضغطاً متزايداً من السكان الجدد، والزوار، والشاحنات، والرحلات اليومية إلى مناطق عمل وسكن جديدة.
- مطار حالي يعمل فعلياً عند مستوى “المليار دقيقة من الحركة” سنوياً إذا احتسبنا زمن وصول المغادرين والواصلين، والتشغيل اللوجستي لكل رحلة.
- ومطار جديد قيد البناء في الجنوب، لن يخفف الضغط عن السماء فقط، بل عن شبكة الطرق أيضاً، إذا ما تم ربطه بمنطق تخطيط عمراني ومواصلات عامة (مترو، قطار، حافلات سريعة) منذ اليوم الأول، لا بعد عشر سنوات من تشغيله.
من السهل هنا أن نقع في فخ خطابين متطرفين:
إما خطاب تبريري يرى في كل زحام “ضريبة النجاح” وبس، أو خطاب تشاؤمي يختزل كل شيء في جملة: “المدينة لم تعد تحتمل”.
الحقيقة أن الأرقام تقترح مساراً ثالثاً:
نعم، دبي تتوسع إلى حدود غير مسبوقة؛ سوق عقاري يسجّل قفزات كبيرة، وخطط حكومية لمضاعفة عدد السكان تقريباً بحلول 2040، واستثمارات ضخمة في الطيران والبنية التحتية.
لكن في المقابل، هناك اعتراف عملي بأن “المطار الحالي والطرق المحيطة به لن يكفوا” على المدى المتوسط، وهذا الاعتراف تُرجم إلى مشروع مطار جديد بحجم مدينة صغيرة، وإلى تدخلات مرورية في عشرات المواقع، وإلى توسع في المواصلات العامة على المدى الطويل.
الدقة هنا مهمة: زحام ذلك الصباح على طريق المطار لم يكن إشاعة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل تجربة شخصية يمكن وضعها في سياق بيانات دولية تقول إن سائقي دبي خسروا 35 ساعة في الازدحام عام 2024، وفي سياق أرقام رسمية تؤكد أن مطارها الرئيسي تعامل مع أكثر من 92 مليون مسافر خلال عام واحد.
حين ننظر إلى المشهد بهذه الطريقة، يتحول السؤال من: “لماذا الزحام في مدينة حديثة مثل دبي؟”
إلى: “كيف نحافظ على كون دبي مركزاً عالمياً للسفر والأعمال، من دون أن يصبح الوصول إلى هذا المركز نفسه معاناة يومية؟”
مطار آل مكتوم الدولي، بكل ما يحمله من أرقام ضخمة، هو جزء من الجواب، لا الجواب كله.
الجزء الآخر هو أن تُصمَّم بقية المنظومة، من الطرق إلى المترو إلى أنماط العمل والسكن، بحيث لا يُترك راكب رحلة التاسعة صباحاً رهينة نصف ساعة إضافية على شارع رئيسي كل يوم.
في النهاية، صباح 28 نوفمبر بالنسبة لي لم يكن مجرد سباق مع الوقت للحاق برحلة طويلة.
كان تذكيراً بأن مدينة بهذا الحجم والطموح لا تُقاس فقط بسرعة الإنترنت أو عدد ناطحات السحاب، بل بسرعة الوصول إلى بوابة المغادرة أيضاً.
وكل قرار يُتخذ اليوم، من تحسين تقاطع صغير إلى بناء مطار يستوعب 260 مليون مسافر، هو في جوهره إجابة عملية عن سؤال بسيط جداً: كيف نضمن أن تظل رحلة الخمس عشرة دقيقة إلى المطار… خمس عشرة دقيقة فعلاً، حتى بعد عشرين عاماً؟




