حوار مع سينثيا غصن، أخصائية نفسية سريرية، حول مخاطر تبسيط مفهوم الصدمة النفسية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي. تحمل سينثيا غصن شهادة البكالوريوس في علم النفس، وتتابع حالياً دراسة الدكتوراه في علم النفس السريري بين دولة الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأميركية في جامعة «ميريديان» بولاية كاليفورنيا. وبالتوازي مع مسارها الأكاديمي، تعمل سينثيا في دبي بترخيص رسمي من هيئة الصحة ، حيث تطوّر خبرتها السريرية بالتعاون مع مشرفين ذوي خبرة متعددة التخصصات، وتقدّم العلاج النفسي للمراهقين والشباب والبالغين.
بين الضغط العاطفي والصدمة النفسية
توضح سينثيا غصن أن التمييز بين الضغط العاطفي اليومي والصدمة النفسية الحقيقية يعتمد على عدة عوامل أساسية، أبرزها حدة التجربة، مدتها، وتأثيرها على القدرة على أداء الوظائف اليومية.
فالضغوط اليومية – مثل ضغوط العمل أو الخلافات العاطفية أو القلق المالي – تُعد جزءاً طبيعياً من الحياة، ورغم ثقلها أحياناً، إلا أن الفرد غالباً ما يكون قادراً على الاستمرار والتعافي مع الوقت أو عبر الدعم الاجتماعي.
أما الصدمة النفسية، فهي ناتجة عن حدث مهدِّد نفسياً أو يُنظر إليه على أنه خطر على الحياة، ما يؤدي إلى زعزعة الإحساس بالأمان وإضعاف القدرة على التكيّف. وغالباً ما تستمر آثارها لفترة طويلة بعد وقوع الحدث، لتشمل ذكريات اقتحامية، كوابيس، نوبات استرجاع مفاجئة، اضطراباً في تنظيم المشاعر، سلوكيات تجنبية، وشعوراً دائماً بعدم الأمان.
مخاطر «تسليع» مفهوم الصدمة
تحذّر غصن من أن الاستخدام العشوائي لمصطلح «الصدمة» لوصف تحديات الحياة الطبيعية يحمل مخاطر حقيقية، في مقدمتها فقدان المصطلح لثقله ومعناه السريري. فالإفراط في استخدامه قد يؤدي إلى التقليل من معاناة من مرّوا بتجارب صادمة فعلية، ويشعرهم بأن آلامهم غير مُعترف بها.
ورغم أن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً إيجابياً في رفع الوعي بالصحة النفسية، إلا أنها – في المقابل – ساهمت في طمس الحدود بين الضغط العاطفي والاضطراب النفسي العميق، ما قد يؤخر وصول الدعم المتخصص إلى من هم في أمسّ الحاجة إليه.
وسائل التواصل الاجتماعي
تشير سينثيا غصن إلى أن منصات التواصل الاجتماعي حوّلت مفاهيم نفسية معقدة إلى محتوى قصير وسهل التداول، وغالباً ما يُقدَّم على أنه «تجارب عامة» يمكن للجميع إسقاطها على أنفسهم.
ومع غياب الخلفية العلمية لدى كثير من صانعي المحتوى، يتم استخدام مصطلحات إكلينيكية لوصف مشاعر يومية طبيعية، بحثاً عن التفاعل أو المصداقية. ونتيجة لذلك، يُصوَّر مفهوم الصدمة وكأنه تجربة شاملة، في حين أن الواقع السريري يؤكد أن الصدمات تختلف جذرياً من حيث الشدة والسياق والأعراض.
متى يصبح اللجوء إلى المختص ضرورة؟
تؤكد غصن أن الوعي الذاتي هو الخطوة الأولى. فإذا تجاوزت المعاناة حدود الضغط الطبيعي وظهرت أعراض مستمرة مثل الإرهاق الجسدي، آلام الصدر، التوتر العضلي، أو صعوبات النوم والتركيز، فقد يكون ذلك مؤشراً على اضطراب أعمق.
كما أن تراجع الأداء في العمل أو العلاقات، وفقدان الدافعية، وظهور ذكريات اقتحامية أو سلوكيات تجنبية، كلها علامات تستدعي التوقف وطلب الدعم المهني، خاصة عندما تصبح المهام اليومية عبئاً غير معتاد.
لغة صحية للحديث عن المشاعر
في ختام الحوار، تشدد سينثيا غصن على أهمية التعبير المفتوح عن المشاعر دون إسقاط تسميات سريرية غير دقيقة. فبدلاً من تشخيص الذات، من الأصح وصف التجربة والمشاعر كما هي: حزن، قلق، غضب أو توتر.
وتضيف أن هذا النهج أكثر أهمية في المجتمعات الشرق أوسطية، حيث لا يزال التعبير العلني عن المشاعر في طور التشكل. فاختيار اللغة الدقيقة لا يحمي فقط من التقليل من خطورة الاضطرابات النفسية، بل يساهم أيضاً في ترسيخ وعي صحي يشجع على طلب المساعدة المتخصصة في الوقت المناسب.




