بقلم كريس إيراسموس، المدير العام لأمازون ويب سيرفيسز في الإمارات العربية المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا
من المفارقات اللافتة في المجال الطبي أن الأمراض النادرة تشكّل مجتمعةً أحد أبرز التحديات المؤثرة على صحة
الإنسان. وتصنِّف منظمة الصحة العالمية المرض الذي يصيب أقل من شخص واحد من بين كل 2000 شخص على أنه
مرض “نادر”. وتشير البيانات إلى أن ما يزيد على 300 مليون شخص حول العالم يعيشون مع أحد الأمراض المصنَّفة
ضمن هذه الفئة، والبالغ عددها قرابة 7000 مرض، وهو ما يفوق عدد حالات السرطان المشخّصة في الأعوام الخمسة
الأخيرة بنحو ستة أضعاف.
وتتفاقم التحديات المرتبطة بالأمراض النادرة في ظل خضوع سياسات التمويل الصحي لمنطق تحليل التكلفة والعائد، وهو
ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى توجيه الموارد نحو البحث والرعاية الخاصة بالأمراض ذات معدلات الانتشار الأعلى.
ويُسهم ضعف الوعي المجتمعي ومحدودية الدراسات الطبية المتاحة في تعميق هذه التحديات، ولا سيما في ظل
الصعوبات التي تعترض تشخيص الأمراض النادرة، الأمر الذي قد يحول دون حصول المصابين على الرعاية الصحية
اللازمة.
وفي هذا السياق، تأتي الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي في مقدمة التقنيات التي أسهمت في الارتقاء بمخرجات
الرعاية الصحية عبر إعادة مواءمة اعتبارات الجدوى والتكلفة. فقد أحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في مجالي
علم الجينوم وتسلسل الحمض النووي، ما أتاح للباحثين توسيع نطاق أبحاثهم على مستوى عالمي، وتبادل النتائج عبر
الحوسبة السحابية، وتطوير مقاربات مبتكرة تفضي إلى فهم أعمق لتجارب المرضى.
التحديات المرتبطة بتشخيص وعلاج الأمراض النادرة

تُعدّ أمراض العصبون الحركي، والتليف الكيسي، وضمور دوشين العضلي، والهيموفيليا (الناعور) من أبرز الأمثلة على
الأمراض النادرة. وتتشابه هذه الأمراض – شأنها شأن العديد من الأمراض النادرة الأخرى – في طبيعتها الوراثية
المرتبطة بالحمض النووي (DNA)، مع تباين مظاهرها السريرية من حيث طبيعة الأعراض وتوقيت ظهورها. وتشير
التقديرات إلى أن نحو 80% من الأمراض النادرة ذات أصل وراثي، وهو ما يفسّر محدودية انتشارها وصعوبة الإحاطة
بها علمياً في كثير من الأحيان. ونظراً لاعتمادها على أنماط التعبير الجيني، لا على تأثير العوامل المُمرِضة الخارجية أو
المؤثرات البيئية، فإنها غالباً ما تقع خارج نطاق وسائل التشخيص الطبية التقليدية.
لا تندرج جميع الأمراض النادرة ضمن فئة الاضطرابات الوراثية؛ إذ ينجم بعضها عن عدوى بكتيرية أو فيروسية
نادرة، أو عن اضطرابات في المناعة الذاتية، أو عن طفرات جينية عشوائية، وهي حالات تواجه بدورها تحديات
متقاربة. وبما أن هذه الأمراض تُصيب أفراداً متفرقين لا جماعات واسعة، يظل حضورها في الوعي العام محدوداً. كما
أن عدم ظهورها في صورة أوبئة أو جوائح يقلّل من الإحساس المجتمعي بخطورتها. وإضافة إلى ذلك، فإن إصابة
الأطفال بعدد كبير من هذه الأمراض تجعل من الصعب على المصابين التعبير الدقيق عن أعراضهم، ما يزيد من تعقيد
عملية التشخيص، ويؤدي إلى معاناة كبيرة للمرضى وعائلاتهم.
مقاربة معمّقة للأمراض النادرة من منظور علم الجينوم
يسهم التقدّم المتواصل في المعرفة العلمية واستمرار الجهود البحثية في توضيح الأهمية المتنامية للاختبارات الجينية
باعتبارها ركيزة أساسية في تشخيص طيف واسع من الأمراض النادرة. وفي هذا الإطار، تعمل مؤسسة جينوميكس
إنجلاند بالتعاون مع أمازون ويب سيرفيسز وشريكها إيلومينا على إدماج التحليل الجينومي ضمن المسار التشخيصي، ما
يُحدث نقلة نوعية في تسريع عملية تأكيد الحالات المشتبه بإصابتها بأمراض نادرة. وقد أرسى مشروع “مئة ألف جينوم”
الأسس الضرورية لاعتماد تسلسل الجينوم الكامل للمرضى الذين يُشتبه بإصابتهم بأمراض نادرة، وذلك في إطار خدمة
الطب الجينومي التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية. وأسهمت هذه الخدمة، بدعم من جينوميكس إنجلاند،
في تسلسل أكثر من 100 ألف جينوم، لتغدو هيئة الخدمات الصحية الوطنية أول منظومة صحية وطنية في العالم تُدرج
تسلسل الجينوم الكامل ضمن الرعاية الطبية الروتينية.
أثر التشخيص الدقيق في إحداث فرق ملموس
يكتسب التشخيص الدقيق القائم على علم الجينوم أهمية بالغة بالنسبة للمصابين بالأمراض النادرة وعائلاتهم، لما له من
دور حاسم في توجيه مسار الرعاية والعلاج. فعلى سبيل المثال، مكّنت خدمة الطب الجينومي التابعة لهيئة الخدمات
الصحية الوطنية البريطانية أمّاً تُدعى ميل من اكتشاف أن اثنين من أطفالها، كان أحدهما قد شُخِّص سابقاً باضطراب
طيف التوحد وعسر الأداء الحركي، يعانيان في الواقع من حالة تنكسية عصبية نادرة للغاية ناجمة عن طفرة في جين
DHDDS. ورغم محدودية الحالات المسجلة عالمياً، والتي لا تتجاوز 59 حالة، مكّن هذا التشخيص ميل من الوصول
إلى خبراء متخصصين والحصول على مقترحات علاجية داعمة، من بينها استخدام فيتامينات معينة للتخفيف من أعراض
الرعاش.
وفي مقال نُشر على موقع جينوميكس إنجلاند، أشارت ميل إلى أن “نسبة الرعاش تراجعت بنحو 20–30% منذ أن بدأ
المرضى استخدام العلاج”، مؤكدة في الوقت ذاته أن الاكتفاء بالتحكم في الأعراض لا يعدو كونه خطوة أولى في مسار
طويل. وبصفتها المؤسِّسة للمنظمة الخيرية CURE DHDDS، تركّز جهودها على حشد التمويل للأبحاث العلمية،
وتنظيم المؤتمرات المتخصصة، وإنشاء سجل دولي للمرضى. وتوضح قائلة: “نواصل العمل على مسارات متعددة لأن
الوقت عامل حاسم. ويتمثل هدفنا في التوصل إلى دواء يُبطئ تطوّر المرض إلى حين إتاحة العلاجات المستقبلية، مثل
العلاجات القائمة على الأوليغونيوكليوتيدات المضادة (ASO) أو الحمض النووي الريبي (RNA)”.
تعزيز قدرة العلاجات على استهداف التعبير الجيني
تمثّل العلاجات المعتمدة على الأوليغونيوكليوتيدات المضادة (ASO) والحمض النووي الريبي (RNA) مقاربات
علاجية متقدمة تقوم على استخدام جزيئات نوعية لتنظيم الجينات المسببة للأمراض، وذلك عبر التأثير في آليات التعبير
الجيني. وتسهم الحوسبة السحابية في تقليص العوائق التي تحول دون تطوير هذه العلاجات الموجّهة للأمراض النادرة،
من خلال إتاحة الوصول إلى قدرات الحوسبة والذكاء الاصطناعي التوليدي، فضلًا عن توفير مجموعات بيانات موحدة
عالية المستوى من حيث الحماية والأمان. ويُسهم هذا التكامل في دعم ابتكار علاجات جديدة وتسريع مسارات اكتشاف
الأدوية. وفي الوقت ذاته، تُحدث هذه التقنيات تحولًا ملموساً في الجدوى الاقتصادية لعلاجات الأمراض النادرة، إذ تُمكّن
من تطوير علاجات فعّالة حتى للحالات التي تصيب أعداداً محدودة من المرضى.
وتوفر تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية مزايا إضافية تتعلق بقابلية التوسّع في المبادرات المعنية بالأمراض
النادرة. وفي هذا السياق، تعاونت أمازون ويب سيرفيسز مع المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية (NCBI) التابع
للمكتبة الوطنية للطب (NLM) في الولايات المتحدة لإتاحة أرشيف بيانات التسلسل (SRA) Sequence Read
Archive ، أحد أكبر مستودعات بيانات تسلسل الجينوم في العالم، للوصول المجاني عبر خدمة Amazon S3، وذلك
ضمن برنامج رعاية البيانات المفتوحة التابع لأمازون ويب سيرفيسز AWS Open Data Sponsorship Program
(ODP) . ويضم SRA ما يقارب 40 بيتابايت من البيانات، تشمل نحو 40 مليون سجل تشغيل متاحاً ضمن برنامج
ODP . ويُتيح هذا النمط من الوصول للباحثين في مختلف أنحاء العالم من خلال برنامج ODP تحديد بيانات التسلسل
المرتبطة بهذه التجارب واسترجاعها بسلاسة، ما يعزز التعاون العلمي العالمي ويسهم في تسريع وتيرة التوصل إلى
اكتشافات علمية ثورية.
الكشف المبكر عن الأمراض النادرة
يمثّل الأطفال في المراحل العمرية المبكرة الشريحة الأكبر من المصابين بالأمراض النادرة، ويُعدّ استيعاب تجاربهم
وفهمها من أبرز التحديات التي تعيق تشخيص هذه الحالات وعلاجها. ولقد طوّر مستشفى الأطفال الوطني في الولايات
المتحدة – بوصفه من أوائل المستفيدين من برنامج تمويلي جديد بقيمة 10 ملايين دولار أمريكي أطلقته أمازون ويب
سيرفيسز لدعم أبحاث صحة الأطفال والأمراض النادرة – تقنية قائمة على الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل صور
ملتقطة عبر كاميرات الهواتف الذكية لرصد التغيرات الدقيقة في ملامح وجوه المواليد الجدد، ما يتيح الكشف المبكر عن
الاضطرابات الوراثية النادرة. ففي كثير من الحالات، لا تُكتشف هذه المؤشرات إلا في مراحل متأخرة، حين تكون
الرعاية الوقائية أقل فاعلية، بينما يتيح الكشف المبكر باستخدام هذه التقنية تجنب سنوات من التشخيص الخاطئ وضمان
حصول الأطفال على الرعاية والعلاج المناسبين منذ المراحل الأولى.
ويُعدّ مستشفى رادي للأطفال ومعهد الطب الجينومي التابع له من أوائل الجهات الحاصلة على جائزةAWS Imagine
Grant Children’s Health Innovation Award للابتكار في مجال صحة الأطفال، وهي مبادرة تهدف إلى
دعم المؤسسات التي تُسهم في تسريع وتيرة الابتكار في هذا المجال من خلال توظيف خدمات الحوسبة السحابية المتقدمة.
ويعتمد المستشفى على نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) للمساعدة في تسريع عمليات التشخيص، وضمان إتاحة اختبارات
الجينوم للأطفال المحتاجين إليها في أقصر وقت ممكن.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور ماثيو بينبريدج، كبير الباحثين المشرفين في معهد رادي جينوميكس، وهو معهد بحثي غير
ربحي تابع لمستشفى رادي للأطفال في سان دييغو، “إن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية يُمثّل
خطوة محورية في مساعي المعهد الرامية إلى جعل الاختبارات الجينية أكثر عدالة وأقل تكلفة وأكثر شمولاً”. وأوضح أن
“التعاون مع أمازون ويب سيرفيسز يتيح الاستفادة من خبراتها في مجالي الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، ما
يُسهم في تسريع إتاحة الاختبارات الجينية للأطفال، وتقليص المسار التشخيصي الطويل الذي يمرّون به”.
توفير الدعم والاهتمام اللذين يستحقهما مرضى الأمراض النادرة
يخوض ملايين المصابين بالأمراض النادرة تجربة قاسية تُشبه مساراً طويلاً بلا نهاية، وتترك آثارها المضنية على
حياتهم وحياة ذويهم. وحتى وقت قريب، افتقرت النظم الصحية إلى التمويل الكافي، والبيانات اللازمة، والفهم العلمي
المعمّق المطلوب للتعرّف إلى هذه الحالات على نحو دقيق، والتعامل معها بالسرعة التي تفرضها تداعياتها العميقة على
حياة المرضى.
وإن ما قد يتراءى للمرضى كقصور في الاهتمام ليس في حقيقته إلا نتاجاً لعقبات تقنية وقفت حائلاً دون تقديم الدعم
المطلوب. ومع تسارع الخطى لردم هذه الفجوة، تبرز تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية كأدوات قادرة على
إحداث تحول نوعي في نهج إدارة الأمراض النادرة، ما يضمن حصول المصابين على ما يستحقونه من رعاية طبية
واهتمام.




