كيف سقطت إمبراطورية “محور المقاومة” من أوج هيمنتها إلى قطع الرأس؟

ضربات إسرائيلية وأمريكية دمرت الدفاعات الإيرانية وكشفت العمق الاستراتيجي.

مجد البهو
مجد البهو

ملخص المقال

إنتاج AI

يتتبع المقال التصدع التدريجي لتحالف الفصائل الإقليمية المدعومة من طهران، بدءًا من اغتيال قاسم سليماني وصولًا إلى عملية "الغضب الملحمي" الأمريكية-الإسرائيلية. تضمنت المحطات الرئيسية اغتيال قادة بارزين، وتدمير منظومات دفاع جوي، وسقوط نظام الأسد، وفشل المسار الدبلوماسي، وانتفاضة داخلية، مما أدى إلى تشظي التحالف وفقدانه لقيادته المركزية.

النقاط الأساسية

  • اغتيال سليماني أدى للامركزية وعدم انضباط في التحالف.
  • ضربات إسرائيلية وأمريكية دمرت الدفاعات الإيرانية وكشفت العمق الاستراتيجي.
  • الانتفاضة الداخلية وفشل الدبلوماسية مهدت لعملية "الغضب الملحمي" الأمريكية.

لا يمكن قراءة التصدع الذي يشهده تحالف الفصائل الإقليمية المدعومة من طهران بمعزل عن مسار تراكمي امتد لسنوات، وتداخلت فيه الضربات العسكرية المباشرة مع الإخفاقات الدبلوماسية والأزمات الداخلية العميقة. لفهم كيف آلت الأمور إلى ما شهدته العاصمة الإيرانية فجر الثامن والعشرين من فبراير 2026، تتطلب المنهجية التحليلية الابتعاد عن حتمية السقوط المفاجئ، ورصد التحولات عبر محطات مفصلية موثقة غيّرت شكل هذا التحالف وقدراته اللوجستية والقيادية.

لتأطير هذا المسار المعقد، يعرض الجدول التالي أبرز المحطات الاستراتيجية التي أسهمت في إعادة تشكيل ديناميكيات المحور:

المرحلة الزمنيةالحدث الاستراتيجيالتأثير الموثق على هيكل التحالف
يناير 2020اغتيال قاسم سليماني وتولي إسماعيل قاآني.فقدان الكاريزما الرابطة، وبدء انتقال المحور نحو لامركزية غير منضبطة.
أبريل – أكتوبر 2024المواجهات الإيرانية-الإسرائيلية المباشرة.تدمير منظومات الدفاع الجوي (S-300) وانكشاف العمق الإيراني استراتيجياً.
يوليو – سبتمبر 2024اغتيال هنية، وتفجيرات البيجر، ومقتل نصر الله.اختراق أمني غير مسبوق في طهران وبيروت، وفقدان أهم القيادات الميدانية والسياسية.
ديسمبر 2024سقوط نظام بشار الأسد في دمشق.انقطاع خط الإمداد البري الرئيسي بين طهران والبحر المتوسط.
يونيو 2025إعلان وكالة الطاقة الذرية، وحرب الـ 12 يوماً.فشل المسار الدبلوماسي، وتدمير أجزاء حيوية من منشآت فوردو وناتنز النووية.
ديسمبر 2025 – يناير 2026الانتفاضة الإيرانية الشعبية وعملية “الضربة الحديدية”.أزمة شرعية داخلية عنيفة ومجازر في الشوارع، مهدت بيئة التدخل الخارجي.
فبراير 2026عملية “الغضب الملحمي” الأمريكية-الإسرائيلية.تدمير مجمع المرشد وضرب هيكل القيادة والسيطرة للحرس الثوري.

التحول القيادي وانكشاف المظلة الأمنية

بدأ التغير الهيكلي في طبيعة المحور مع اغتيال الجنرال قاسم سليماني قرب مطار بغداد مطلع عام 2020. تشير تقارير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أن خليفته، إسماعيل قاآني، افتقر إلى الكاريزما والعلاقات الشخصية العميقة التي ميزت سلفه، فضلاً عن عدم إجادته للغة العربية بحسب وكالة رويترز، مما أدى إلى حالة من اللامركزية المفرطة وتخبط في التنسيق بين الفصائل. هذا الضعف الهيكلي ترافق مع انكشاف عسكري واضح توجته المواجهات المباشرة بين إيران وإسرائيل في أبريل وأكتوبر من عام 2024، حيث أدى تدمير منظومات الدفاع الجوي الروسية في إيران إلى تعرية العمق الاستراتيجي للبلاد.

في سياق هذا الانكشاف، جاءت الضربة الاستخباراتية الأبرز في الحادي والثلاثين من يوليو 2024. تؤكد صحيفة نيويورك تايمز أن اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، تم عبر عبوة ناسفة زُرعت مسبقاً في دار ضيافة تابع للحرس الثوري شمالي طهران، وليس بغارة جوية، مما كشف عن ثغرات أمنية فادحة داخل العاصمة الإيرانية نفسها. تلا ذلك في سبتمبر من العام ذاته تفجير آلاف أجهزة الاتصال (البيجر) في لبنان، ثم اغتيال أمين عام حزب الله حسن نصر الله. وفي الغارة ذاتها، قُتل عباس نيلفروشان، الذي كان يشغل منصب نائب قائد العمليات في الحرس الثوري والمسؤول الميداني عن جبهة لبنان، مما أحدث شللاً بالغاً في التنسيق اللوجستي اليومي.

المتغيرات الجيوسياسية وفشل المسار الدبلوماسي

Advertisement

لم يقتصر التراجع على الجانب الأمني، بل امتد ليتخذ أبعاداً جغرافية وسياسية قاصمة. في الثامن من ديسمبر 2024، أدى الدخول المفاجئ للمعارضة المسلحة إلى دمشق وسقوط نظام بشار الأسد إلى قطع الجسر البري الحيوي الذي استخدمته طهران لعقود لإمداد حلفائها في لبنان. ورغم بقاء بعض مسارات التهريب البديلة، إلا أن التدفق اللوجستي المنتظم انقطع فعلياً.

على الصعيد الدبلوماسي، تعقد المشهد إثر إعلان وكالة الطاقة الذرية عدم امتثال إيران في يونيو 2025، وهو ما تزامن مع فشل المحادثات النووية وتلويح الإدارة الأمريكية بمهل زمنية صارمة، لتبدأ إسرائيل في الثالث عشر من يونيو حملة عسكرية عُرفت بـ “حرب الـ 12 يوماً”، انضمت إليها واشنطن لاحقاً، وأسفرت عن دمار واسع في منشآت التخصيب في فوردو وناتنز. خلال تلك الحرب، سرت تكهنات بمقتل إسماعيل قاآني نشرتها وسائل إعلام كبرى، إلا أنه ظهر علناً في مسيرة بطهران أواخر الشهر ذاته، ونفى شخصياً شائعات اغتياله في أكتوبر 2025، مؤكداً استمرار دوره القيادي رغم الحصار المضروب حول تحركاته.

الانتفاضة الداخلية والطريق إلى “الغضب الملحمي”

لفهم التوقيت الذي اختارته واشنطن لتنفيذ عملية “الغضب الملحمي”، لا يمكن إغفال السياق الداخلي الإيراني المشتعل. في الثامن والعشرين من ديسمبر 2025، انطلقت شرارة احتجاجات شعبية عارمة من البازار الكبير في طهران وامتدت لمعظم المحافظات. واجهت السلطات هذه الانتفاضة بعنف غير مسبوق أودى بحياة الآلاف، مما أوجد أزمة شرعية خانقة عزلت النظام دولياً وداخلياً.

في ظل هذه الفوضى، وعقب مصادقة المجلس الأمني الإسرائيلي على عملية “الضربة الحديدية” مطلع يناير 2026، أطلقت القيادة المركزية الأمريكية فجر الثامن والعشرين من فبراير عملية “الغضب الملحمي” التي استهدفت أكثر من ألف موقع، وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى وتدمير مفاصل القيادة والسيطرة للحرس الثوري.

مآلات المحور: تشظي لا فناء

Advertisement

رغم التدمير الواسع الذي طال مركز القيادة في طهران، فإن استنتاج “النهاية الرسمية والمطلقة” للمحور يتنافى مع الوقائع الميدانية. التحليل الدقيق يشير إلى حالة من “التشظي” وانتقال الفصائل إلى العمل ككيانات محلية تبحث عن البقاء.

فجماعة الحوثي في اليمن، التي نسقت هجمات صاروخية سابقة بالستية مع طهران، لا تزال تحتفظ بقدرات عملياتية وفاعلية في البحر الأحمر. وفي العراق، تجد الفصائل المسلحة نفسها مضطرة لإعادة تموضعها كقوى محلية تتصارع على الموارد في غياب الممول الخارجي المباشر. أما حزب الله، فرغم الإنهاك العسكري المروع، لا يزال يحتفظ ببنية سياسية تحاول التكيف مع حقبة ما بعد فقدان العمق السوري والإيراني.

بالتالي، فإن شبكة التحالف الإقليمي فقدت رأسها المدبر وقدرتها على العمل كجبهة موحدة، لكن أطرافها المسلحة لا تزال تمثل متغيرات معقدة في ساحاتها المحلية.