العملات الرقمية للبنوك المركزية هي شكل رقمي من العملة الرسمية يصدرها البنك المركزي مباشرة، وتُعامل كعملة قانونية مثل النقود الورقية، لكنها تُخزَّن وتُتداول عبر محافظ وتطبيقات رقمية. تختلف عن العملات المشفرة مثل بتكوين في أنها مركزية وتخضع لرقابة البنك المركزي، وتهدف إلى تحسين كفاءة المدفوعات، وتعزيز الشمول المالي، وتقليل الاعتماد على النقد الورقي.
دول أطلقت عملات رقمية رسمية بالفعل
بحلول 2025–2026، هناك مجموعة محدودة من الدول أطلقت عملات رقمية للبنوك المركزية بشكل كامل للاستخدام العام (القطاع التجزئة):
- جزر البهاما: أطلقت عملتها الرقمية “Sand Dollar” في 2020، وتُستخدم في المدفوعات اليومية مثل شراء السلع ودفع الفواتير عبر تطبيقات على الهواتف.
- نيجيريا: أطلقت “eNaira” في 2021 كأول عملة رقمية للبنك المركزي في إفريقيا، بهدف دعم الشمول المالي وتقليل تكلفة التحويلات الداخلية والخارجية.
- جامايكا: دشّنت “Jam-Dex” (Jamaica Digital Exchange) في 2022 كعملة رقمية رسمية لتسهيل المدفوعات الرقمية وتقليل الاعتماد على النقد.
- اتحاد شرق الكاريبي: أطلق عملة “DCash” لخدمة ثماني دول جزرية في الكاريبي، بهدف توحيد المدفوعات الرقمية داخل الاتحاد.
- زيمبابوي: أدخلت عملتها الرقمية “ZiG” كجزء من إصلاحات نقدية تهدف إلى استقرار العملة وتعزيز الثقة في النظام المالي.
- الإمارات العربية المتحدة: أعلن عن “الدرهم الرقمي” كعملة رقمية للبنك المركزي، واستخدمت الحكومة المنصة في أول معاملة حكومية رسمية بالدرهم الرقمي، مع دمجه في منصة mBridge للتسويات عبر الحدود.
هذه العملات باتت متاحة للمواطنين عبر محافظ رقمية مرخّصة، ويمكن استخدامها للدفع في المتاجر، والتحويل بين الأفراد، ودفع الرسوم الحكومية في بعض الحالات.
تجارب ودول في مرحلة التجريب المتقدم
إلى جانب الدول التي أطلقت عملاتها رسمياً، هناك دول كبرى وصلت إلى مراحل تجريب متقدمة تجعل عملاتها الرقمية شبه “حية” في الواقع اليومي:
- الصين: تقود تجربة واسعة لـ “اليوان الرقمي” (e-CNY)، مع تجارب في مدن عديدة واستخدامه في المدفوعات اليومية، والتسوق، والنقل، وحتى السياحة في مدن داخلية وحدودية، مع خطة لتوسيعه عالمياً وربطه بمشروعات تسويات عبر الحدود.
- الهند: تختبر “الروبية الرقمية” (e₹) في تجارب كبيرة تشمل بنوكاً عديدة ومدفوعات تجزئة وجملة، في إطار خطة للتحول إلى اقتصاد رقمي عالي الكفاءة.
- روسيا: تُجري تجارب على “الروبل الرقمي” مع بنوك ومستخدمين حقيقيين، لاستخدامه في المدفوعات داخلية وعمليات حكومية.
- كمبوديا: أطلقت نظام “Bakong” وهو منصة دفع رقمية تعتمد على تكنولوجيا قريبة من الـCBDC، وتُستخدم على نطاق واسع في المدفوعات اليومية والتحويلات.
- الاتحاد الأوروبي: يعمل على “اليورو الرقمي” في مراحل متقدمة من الإعداد، مع تأكيد البنك المركزي الأوروبي أن الهدف هو الحفاظ على دور اليورو في عصر المدفوعات الرقمية.
هذه التجارب لا تزال تُصنَّف كـ«طيار» أو «مرحلة تجريبية»، لكنها تعطي انطباعاً واضحاً بأن اتجاه العالم يسير نحو توسيع استخدام العملات الرقمية الرسمية خلال السنوات القليلة القادمة.
لماذا تتجه الدول لإطلاق عملاتها الرقمية؟
تتعدد دوافع الدول وراء تبنّي عملات رقمية للبنوك المركزية:
- تعزيز الشمول المالي: تمكين الفئات غير المتعاملة مع البنوك من الحصول على وسيلة دفع رقمية آمنة ورخيصة.
- تخفيض تكاليف النقد: تقليل تكاليف طباعة وتوزيع وتأمين الأوراق النقدية.
- تحسين كفاءة المدفوعات: تسويات فورية أو شبه فورية محلياً وعبر الحدود، مع خفض الرسوم.
- الحفاظ على سيادة العملة: مواجهة تمدد العملات المستقرة الخاصة والعملات المشفرة العالمية التي قد تنافس العملات الوطنية.
- زيادة الشفافية: تسهيل تتبع التدفقات المالية ومكافحة غسل الأموال والتهرب الضريبي وفق الأطر القانونية.
في الوقت نفسه، تُثير الـCBDC أسئلة حساسة حول الخصوصية، وحدود تتبّع الحكومات للمعاملات، وتأثيرها على البنوك التجارية إذا فضّل الأفراد الاحتفاظ بأموالهم مباشرة لدى البنك المركزي عبر المحافظ الرقمية.
المستقبل: توسّع تدريجي وتجارب أكثر
وفق متابعات مراكز أبحاث مالية دولية، أكثر من 100 دولة تدرس حالياً مشاريع عملات رقمية للبنوك المركزية، ونحو 60–70 دولة باتت في مراحل متقدمة من التطوير أو التجريب، ما يعني أن السنوات المقبلة قد تشهد موجة إطلاق أوسع لهذه العملات. تجارب الدول الأولى مثل البهاما ونيجيريا وجامايكا والإمارات ستُستخدم كمرجع لتصميم الأجيال القادمة من العملات الرقمية الرسمية، مع تعديلات مستمرة على جوانب مثل الخصوصية، وسقوف الأرصدة، وآليات الربط مع الأنظمة المصرفية والتطبيقات التجارية.




