إيران تشهد واحدة من أشد موجات «العزل الرقمي» في تاريخها الحديث، مع لجوء السلطات إلى قطع شبه كامل للإنترنت عن المدن المشتعلة بالاحتجاجات، لكن المتظاهرين لم يعودوا يعتمدون فقط على الشبكات التقليدية، بل ابتكروا منظومة بديلة من التطبيقات «دون شبكة» والتقنيات الفضائية وأساليب الحماية الرقمية لتجاوز الحجب والاستمرار في تنظيم صفوفهم.
تطبيقات «دون إنترنت».. شبكة من الهواتف
مع انقطاع الإنترنت الأرضي وإغلاق شبكات الهاتف الجوال في مناطق واسعة، برزت تطبيقات تراسل تعتمد على البلوتوث أو شبكات «المِش» المحلية كأداة أساسية للتواصل بين المحتجين.
- من أبرز هذه التطبيقات Bitchat ونسخته المعدلة محليًا Noghteha، حيث تنتقل الرسائل من هاتف لآخر عبر البلوتوث لمسافة تقارب 100 متر، ثم تُمرَّر تلقائيًا إلى الأجهزة القريبة فيتوسع مدى وصولها كلما زاد عدد المستخدمين في المكان نفسه.
- يستخدم المتظاهرون هذه الشبكات لإرسال تعليمات عن مسارات المسيرات، التحذير من الحواجز ونقاط التفتيش، وتبادل الصور ومقاطع الفيديو محليًا إلى أن يتوفر لاحقًا منفذ صغير لرفعها إلى الإنترنت العالمي.
إلى جانب ذلك، يتم اللجوء إلى تطبيقات مثل Delta Chat التي تبني تجربتها على بروتوكول البريد الإلكتروني، ما يسمح باستئناف الاتصال بسهولة عند عودة أي جزء من الشبكة، ويمكّن النشطاء من استخدام خوادم خارجية أقل خضوعًا للرقابة الإيرانية.
ستارلينك.. نافذة فضائية تحت التشويش
على مستوى أوسع، أصبحت خدمة «ستارلينك» للأقمار الصناعية إحدى أكثر الأدوات حساسية في المشهد، إذ تمكّن مجموعات صغيرة من الناشطين من الاتصال المباشر بالإنترنت دون المرور عبر البنية التحتية التي تسيطر عليها طهران.
- تقارير دولية تشير إلى أن محطات ستارلينك دخلت إلى إيران بطرق التفافية عبر دول مجاورة ومجتمعات المغتربين، وتُستخدم في نقاط سرية لرفع فيديوهات وتنسيق الاتصال مع الخارج، رغم تجريم حيازتها وملاحقة من يضبط متلبسًا باستخدامها.
- ردًّا على ذلك، كثّفت السلطات نشر أجهزة تشويش على إشارات الأقمار الصناعية وأنظمة تحديد المواقع، إلى جانب محاولات تقنية لإضعاف تغطية ستارلينك في سماء إيران، ما حوّل استخدامها إلى لعبة خطرة من «القط والفأر» بين النشطاء وأجهزة الأمن.
ترسانة أمنية رقمية في مواجهة «حرية التقنية»
لا يقتصر سلاح النظام على قطع الخدمة، بل يمتد إلى مراقبة مشددة لما يتبقى من حركة على الشبكة، مع استخدام تقنيات فحص حزم البيانات (Deep Packet Inspection) لحجب أغلب خدمات VPN وكسر أدوات الالتفاف التقليدية.
- منظمات حقوقية مثل Amnesty تحذّر من أن قطع الإنترنت يهدف أيضًا إلى إخفاء الانتهاكات على الأرض، بينما تُستخدم الكاميرات وأنظمة التعرف على الوجوه والطائرات المسيّرة لتتبع المتظاهرين حتى في ظل العزل الرقمي.
- في مواجهة ذلك، تصدر مجموعات تقنية مستقلة أدلة مبسطة توصي بإزالة البيانات الحساسة من الهواتف، تعطيل النسخ الاحتياطي السحابي، استخدام تطبيقات مفتوحة المصدر قدر الإمكان، وعدم الثقة الكاملة في الحلول المحلية المغلقة مثل بعض نسخ Noghteha التي لا يمكن تدقيق شيفرتها علنًا.
مشروع «زر إطفاء الإنترنت» الإيراني
ما يجري اليوم لم يأتِ من فراغ؛ فبحسب تسريبات ومصادر تقنية، وصل مشروع إيران لإنشاء «زر إطفاء الإنترنت» إلى مراحله النهائية، عبر مركزية نقاط الربط الدولية والتحكم في بروتوكول بوابة الحدود (BGP)، بحيث يمكن فصل البلاد عن الشبكة العالمية خلال ساعات مع إبقاء قنوات محدودة للمصارف والجهات الحكومية.
- تقارير رصد مثل NetBlocks توثق مئات الساعات من الانقطاع أو التقييد الشديد على مستوى البلاد منذ بداية موجة الاحتجاجات الأخيرة، ما يجعل إيران نموذجًا متقدمًا في استخدام «العزل الرقمي الشامل» كسلاح سياسي وأمني.
- أمام هذا الواقع، تتحول كل تقنية بديلة – من شبكة بلوتوث صغيرة بين عشرات الهواتف إلى طبق ستارلينك على سطح مبنى – إلى شكل من أشكال المقاومة، حيث يدرك المتظاهرون أن الحفاظ على «نافذة اتصال» بالعالم لم يعد ترفًا، بل جزءًا حاسمًا من معركة الرواية والحق في الشهادة على ما يجري.




