في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، تبرز تساؤلات حول تأثيره على بيئة العمل وصحة الموظفين. تُشير دراسات حديثة إلى أن الإرهاق الوظيفي قد يظهر بشكل متزايد، خاصة بين الأفراد الأكثر حماسًا لتبني أدوات الذكاء الاصطناعي. هذه الظاهرة تستدعي فهمًا أعمق لتحديات العصر الرقمي.
الذكاء الاصطناعي: بين الإنتاجية وتكثيف العمل
كشفت دراسة أجرتها هارفارد بزنس ريڤيو (HBR) على مدار ثمانية أشهر، داخل شركة تقنية تضم 200 موظف، عن نتائج مهمة. تبين أن الموظفين الذين تبنوا أدوات الذكاء الاصطناعي بحماس كبير أظهروا علامات مبكرة للإرهاق الوظيفي. امتد عملهم إلى فترات الراحة والليل بسبب توسع قوائم المهام.
يؤكد هذا البحث أن الذكاء الاصطناعي لم يقلل من ساعات العمل. بل زاد من كثافته. قال مهندس مشارك في الدراسة: “تظن أن الذكاء الاصطناعي يوفر الوقت لتعمل أقل، لكنك في الواقع تعمل أكثر”. هذا يوضح التناقض بين التوقعات والواقع العملي.
الاعتماد النفسي على أدوات الذكاء الاصطناعي
في قطاع الرعاية الصحية، أظهرت استطلاعات Tebra الجديدة نتائج مختلفة. رأى ثلاثة من كل خمسة موظفين أن أدوات مثل ChatGPT خففت الإرهاق. ساهمت هذه الأدوات في تبسيط التوثيق والتواصل مع المرضى. يستخدم 44% من الموظفين هذه الأدوات يوميًا في الممارسات الخاصة.
ومع ذلك، أفاد 14% من المستجيبين بالاكتئاب العاطفي عند عدم توفر الذكاء الاصطناعي. ظهرت سلوكيات مثل التحقق الوسواسي. استخدم 47% الذكاء الاصطناعي لمعالجة العواطف. هذا يشير إلى اعتماده كدعم نفسي غير رسمي. أعرب 13% عن أن انقطاع الذكاء الاصطناعي أكثر إجهادًا من تعطل نظام السجلات الطبية الإلكترونية (EHR). 27% فقط من المنظمات لديها خطط احتياطية.
في القطاع التقني، يتفق تعليق على منتدى Hacker News مع الدراسة. أشار إلى تضاعف التوقعات ثلاث مرات مع الاعتماد على “نمط العمل بالذكاء الاصطناعي في كل شيء”. هذا رفع الضغط والساعات الإضافية. ومع ذلك، زادت الإنتاجية بنسبة 10% فقط. أكدت دراسة سابقة من مكتب البحوث الاقتصادية الوطني (NBER) أن مكاسب الإنتاجية بلغت 3% فقط في الوقت. لم يكن هناك تأثير على الدخل أو الساعات.
تداعيات الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي
أفاد تقرير ManpowerGroup العالمي لعام 2026 بارتفاع استخدام الذكاء الاصطناعي بنسبة 13% في 2025. بُني التقرير على مقابلات مع 14 ألف عامل في 19 دولة. لكن ثقة العمال به انخفضت 18%. هذا الانخفاض كان ملحوظًا بشكل خاص لدى جيل البيبي بومرز (35%) وجيل إكس (25%). يُعزى ذلك إلى نقص التدريب والدعم.
قالت مارا ستيفان، نائبة رئيس الرؤى العالمية في ManpowerGroup: “انتشار الذكاء الاصطناعي يتسارع، لكن الثقة تنهار”. أضاف التقرير أن 63% يعانون إرهاقًا من الضغط والأحمال الثقيلة. 64% لديهم “عناق الوظائف” خوفًا من الأتمتة.
مخاطر الإرهاق العام والفئات الأكثر تأثرًا
استطلاع معهد ماكينزي الصحي شمل 30 ألف موظف في 30 دولة. وجد أن واحدًا من كل خمسة محترفين يعاني أعراض إرهاق. تشمل هذه الأعراض الإعياء العاطفي والإرهاق الذهني. ترتفع المخاطر لدى الشباب.
كما أظهر تقرير DHR Global لعام 2026 أن 83% من العمال يشعرون بدرجة من الإرهاق. خاصة في التجزئة (62%) والتقنية (58%) والرعاية الصحية (61%). تُعزى هذه المشكلة إلى الأحمال الزائدة (48%) والساعات الطويلة (40%). لها تأثير أقوى على الالتزام الوظيفي.
هل يزيد الذكاء الاصطناعي العمل بدلاً من تقليله؟
يؤكد باحثو HBR أن الذكاء الاصطناعي يعزز القدرات. لكنه يؤدي إلى الإرهاق الوظيفي. كما يسبب شعورًا بصعوبة الابتعاد عن العمل. خاصة مع ارتفاع توقعات السرعة. في تجربة صيفية سابقة، استغرق المبرمجون المخضرمون 19% وقتًا أطول باستخدام الذكاء الاصطناعي. هذا رغم اعتقادهم بتسريع 20%.
يبرز هذا تناقضًا واضحًا. الذكاء الاصطناعي يقلل الإرهاق الإداري في بعض الحالات. مثلاً، في استطلاعات Net Health، اعتبره 25-45% الأكثر فعالية في الرعاية الصحية. لكنه يفاقم الضغط لدى الأكثر تبنيًا له. لذا، فإن فهم هذه الديناميكيات ضروري لإدارة التوقعات وتجنب الإرهاق.




