تخوض شركة “ذا إنترتينر” (The ENTERTAINER) – التي عُرفت لسنوات طويلة كمرجع لثقافة التوفير عبر نموذج “اشترِ واحداً واحصل على الآخر مجاناً” – أكبر رهان تقني في تاريخها. لم يعد الصراع في سوق الولاء يدور حول حجم الخصومات فحسب، بل انتقل إلى ساحة “إدارة نمط الحياة” عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي.
هذا التحول، الذي تم الإعلان عنه مؤخراً من خلال شراكة استراتيجية مع “أمازون ويب سيرفسز” (AWS)، لا يمثل مجرد تحديث لتطبيق ذكي، بل يعكس تغيراً جذرياً في كيفية تفاعل العلامات التجارية القديمة مع الاقتصاد الرقمي لعام 2026. ويشير البيان الصحفي الصادر عن الشركتين إلى أن هذه الخطوة تعتمد استراتيجياً على استبدال “البحث التقليدي” بـ “المحاحثة الذكية”، مدعومة ببنية تحتية سحابية ضخمة تتجاوز مجرد استضافة البيانات.
“هابي” (H.A.P.I): هندسة الرفيق الذكي وليس مجرد “بوت”
جوهر هذا التحول يكمن في إطلاق المساعد الذكي “H.A.P.I”، وهو مساعد محادثة ثنائي اللغة (عربي وإنجليزي) يعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي. وخلافاً لروبوتات المحادثة التقليدية التي تعتمد على نصوص مسبقة البرمجة، توضح البيانات التقنية للمشروع أن هذا النظام تم بناؤه لفهم نية المستخدم والتعامل مع الاستفسارات المفتوحة.
من الناحية التقنية، ووفقاً للتفاصيل التي أوردتها الشركة، لا يعمل “هابي” ككيان منفرد، بل كقائد أوركسترا يدير أربعة مساعدين متخصصين مبنيين على منصة أمازون بيدروك (Amazon Bedrock):
- مساعد التخطيط (Planner Assistant): يتجاوز البحث عن العروض ليبني جداول زمنية كاملة، سواء لرحلة عائلية أو نشاط يومي.
- مساعد البحث (Search Assistant): ومهمته استرجاع المعلومات الدقيقة حول التجار والعروض.
- مساعد المعرفة (Knowledge Assistant): للإجابة الفورية على الأسئلة الشائعة من قاعدة بيانات الشركة.
- مساعد التصعيد (Escalation Assistant): الذي يوجه الاستفسارات المعقدة إلى فرق الدعم البشري بسلاسة.
هذا الهيكل المعقد يهدف إلى حل المشكلة الأولى التي تواجه تطبيقات التوفير: “وفرة الخيارات وصعوبة القرار”. فبدلاً من تصفح مئات المطاعم، يقوم النظام بصياغة التوصيات بناءً على سياق المحادثة.
لغة الأرقام: كفاءة التشغيل ومعدلات التبني

في قطاع التكنولوجيا، الأرقام هي الحكم النهائي على نجاح أي تحول. وفي هذا السياق، تؤكد دونا بنتون، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة “ذا إنترتينر”، أن الشركة تمتلك قاعدة مستخدمين ضخمة تناهز 4 ملايين مستخدم، وهو ما يمنحها القدرة على التأثير المباشر في توجيه سلوك المستهلكين وحركة الإقبال.
وتشير البيانات الأولية للأداء التشغيلي للنظام الجديد إلى نتائج لافتة. فقد كشفت بنتون أنه في غضون شهرين فقط من التشغيل التجريبي، تعامل النظام مع 220,000 محادثة. والمؤشر الأكثر أهمية للكفاءة، بحسب الرئيسة التنفيذية، هو أن المساعد الذكي “هابي” تمكن من التعامل مع 50% من هذه المحادثات بشكل مستقل تماماً دون تدخل بشري.
هذه الأرقام تؤكد وجهة نظر كريس إيراسموس، المدير العام لشركة AWS في الإمارات والمنطقة، الذي أشار في حديثه إلى أن التحدي الأكبر لم يعد في التكنولوجيا ذاتها، بل في “تجربة العميل” التي تدفع التبني. ويرى إيراسموس أن الانتقال من الكتب الورقية إلى التطبيقات، والآن إلى “التجارب المتصلة”، هو السبيل الوحيد للبقاء في سوق يغير فيه المستهلك ولاءه بسرعة.
البنية التحتية: ما وراء الكواليس
لا يمكن فهم هذا الإطلاق بمعزل عن البنية التحتية التي تدعمه. حيث أوضحت بنتون وإيراسموس أن “ذا إنترتينر” تستخدم حالياً حوالي 45 خدمة مختلفة من خدمات AWS. ولتسريع أوقات الاستجابة وضمان دقة النتائج، تم تحديث البنية الخلفية باستخدام مجموعة “Amazon OpenSearch” المحسنة، التي توظف إمكانيات البحث الدلالي (Semantic Search) والمعالجة المتجهة (Vector Capabilities)، وفقاً لما ورد في الإعلان الرسمي.
هذا المزيج التقني يسمح للنظام بتقديم نتائج “شديدة التخصيص” (Hyper-personalized)، مع دمج خدمة “Amazon Personalize” لتخصيص العروض، واستخدام حواجز الحماية “Amazon Bedrock Guardrails” لضمان أمان وسلامة المحادثات.
المشهد الإقليمي: الإمارات والسعودية كمراكز ثقل للذكاء الاصطناعي
يأتي هذا التعاون متناغماً مع الاستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي في المنطقة. ويرى كريس إيراسموس أن “رؤية الإمارات 2031” ومناخ التبني العالي للتقنيات في الدولة ساعدا بشكل كبير في تسريع هذا التعاون.
ولكن النظرة الأوسع تتجه أيضاً نحو المملكة العربية السعودية. ففي تصريح خاص حول البنية التحتية في المملكة، أكد إيراسموس أن AWS بصدد إطلاق منطقة سحابية تضم ثلاث مناطق توافر خدمات (Availability Zones) في الربع الثاني من هذا العام، كجزء من استثمار ضخم يقدر بـ 5.4 مليار دولار. هذا التوسع في البنية التحتية يعني أن البيانات والمعالجة ستقترب أكثر من المستخدمين في المنطقة، مما يقلل من زمن الوصول (Latency) ويدعم سيادة البيانات، وهو أمر حيوي لتطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي الفوري مثل “هابي”.
المعادلة البشرية: التكامل لا الاستبدال
وسط المخاوف المتزايدة من استبدال الذكاء الاصطناعي للوظائف البشرية، تتبنى “ذا إنترتينر” موقفاً واضحاً. حيث تؤكد بنتون: “أنا مؤمنة جداً بالتواصل البشري. الروبوتات تدير الوقت والنطاق، لكن يجب أن يظل بإمكان العملاء التحدث مع البشر”.
الهدف المعلن ليس إلغاء فرق خدمة العملاء، بل أتمتة الاستفسارات الروتينية للسماح للموظفين بالتركيز على الحالات التي تتطلب “تعاطفاً بشرياً”. وتضيف بنتون أنه حتى لو ارتفعت نسبة الأتمتة إلى 70% مستقبلاً، فإن الـ 30% المتبقية ستظل بحاجة إلى اللمسة الإنسانية التي لا تستطيع الخوارزميات محاكاتها بالكامل.
نظرة مستقبلية: البقاء للأكثر تطوراً
تختصر دونا بنتون فلسفة البقاء في السوق بمقولة: “لتبقى رقم واحد، يجب أن تعمل وكأنك رقم اثنين”. في سوق يعج بالمنافسين، ترى أن الاعتماد على نموذج عمل ثابت هو وصفة للتراجع.
إن انتقال “ذا إنترتينر” من تطبيق للخصومات إلى “رفيق لنمط الحياة” (Lifestyle Companion) يمثل تحولاً في القيمة المقترحة: من توفير المال فقط، إلى توفير الوقت والجهد وتخصيص التجربة. ومع استمرار تطور نماذج الذكاء الاصطناعي، يبدو أن المعركة القادمة في قطاع الترفيه والولاء ستكون معركة “بيانات” و”سياق” بامتياز، حيث الفائز هو من يعرف ماذا يريد العميل قبل أن يطلب.




