منذ عقود، يجلس النفط في قلب الحسابات الكبرى للاقتصاد العالمي، وتُدار معادلاته بمزيج من الديبلوماسية والمصالح المتشابكة. في هذا الفضاء، تمضي الإمارات بثبات وهدوء في بناء نموذج طاقة مختلف يجمع بين الريادة في الإنتاج النفطي واستباق مرحلة الطاقة النظيفة، وهو نموذج يضع المنظمة أمام تساؤلات حقيقية حول مدى ملاءمة هياكلها الراهنة لأعضائها الأكثر استثماراً وتطوراً.
المسألة في جوهرها ليست خلافاً سياسياً، بل هي فجوة موضوعية بين إنجاز استثماري متسارع وآلية تقييم لم تواكبه. أدنوك رفعت طاقتها الإنتاجية من ثلاثة ملايين برميل يومياً عام 2020 إلى 4.85 مليون برميل في 2024 ، بمعدل نمو يصعب مضاهاته على مستوى القطاع النفطي عالمياً، وذلك بفضل استثمارات رأسمالية بلغت 150 مليار دولار بين 2023 و2027. وفي نوفمبر 2025، أقرّت الشركة خطة استثمارية موازية لا تقل عن 150 مليار دولار إضافية للفترة الممتدة بين 2026 و2030 ، ما يُشير إلى أن هذا التوسع ليس قراراً ظرفياً بل خيار استراتيجي راسخ.
هدف الخمسة ملايين برميل يومياً بحلول 2027 بات هدفاً مُعلناً ومُلتزماً به رسمياً، وقد أشار وزير الطاقة سهيل المزروعي في يوليو 2025 إلى أن الطاقة قد تتجاوز ستة ملايين برميل ما بعد 2027 إذا اقتضت ذلك حاجة السوق، بما يضع الإمارات في قائمة المنتجين الكبار إلى جوار الولايات المتحدة والسعودية وروسيا. وفي مقابل هذا الجهد الاستثماري الضخم، ظلت الحصة المقررة لأبوظبي في أوبك بلس تستند إلى مستويات إنتاج أكتوبر 2018، وهو تاريخ يسبق موجة الاستثمار الكبرى بكل ما رافقها من تطوير للحقول وتوسيع للبنية التحتية.
الخلاف ليس في مبدأ التنسيق الإنتاجي داخل المنظمة، بل في أن المعايير المعتمدة لم تعكس الواقع الإنتاجي الجديد للإمارات. وهذا ما دفع أبوظبي إلى المطالبة المتواصلة بمراجعة خط الأساس، وهو مطلب أسفر في يونيو 2024 عن تعديل ملموس: حصلت الإمارات على موافقة المنظمة لزيادة حصتها تدريجياً بمقدار 300 ألف برميل يومياً على مدار خمسة أشهر من أبريل حتى سبتمبر 2025، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح، وإن كانت لا تزال دون مستوى الطاقة الإنتاجية الفعلية المتاحة.
آلية 2027… تصحيح هيكلي متأخر
انتزاع أبوظبي لمطلبها الأعمق جاء في ديسمبر 2025، حين وافق تحالف أوبك بلس على إجراء تقييم شامل للطاقة القصوى المستدامة لكل عضو بواسطة شركة تدقيق أمريكية مستقلة، على أن تُستخدم النتائج كخط أساس لحصص 2027. هذا القرار يمثّل اعترافاً رسمياً بأن المنظمة لا يمكنها الاستمرار في تجاهل الواقع الإنتاجي لأعضائها المستثمرين، وأن المنهجية التي أعاقت الإمارات ودولاً أخرى عن الاستفادة من استثماراتها كانت بحاجة فعلية إلى مراجعة جوهرية. وستُنجز عمليات التقييم بين يناير وسبتمبر 2026، لتُشكّل منعطفاً فارقاً في كيفية توزيع حصص الإنتاج بين الدول ذات الطاقة الحقيقية المرتفعة.
ما يُميّز الموقف الإماراتي فعلاً عن سواه هو أن النقاش حول أوبك لا يجري في فراغ، بل يتوازى مع مسار موازٍ أشد طموحاً وأبعد أفقاً. فالإمارات تبني اليوم منظومة طاقة متكاملة تضم بجانب النفط والغاز طاقةً متجددة واسعة النطاق وطاقة نووية سلمية وتقنيات احتجاز الكربون. شركة مصدر بلغت 65 غيغاواط من الطاقة المتجددة في يناير 2026 ، بعد أن كانت 20 غيغاواط عام 2022، أي أنها ثلّثت حجمها في أقل من أربع سنوات. والهدف المعلن 100 غيغاواط بحلول 2030.
وفي مجال الطاقة النووية، تُعدّ الإمارات الدولة العربية الأولى التي تتشغّل محطة سلمية للطاقة النووية، إذ توفر محطات براكة اليوم 25% من إجمالي احتياجات الكهرباء. بينما في الطاقة الشمسية، يتوسع مشروع محمد بن راشد آل مكتوم الشمسي من 1.63 غيغاواط حالياً نحو 5 غيغاواط بحلول 2030. وبين عامَي 2022 و2025 ارتفعت الطاقة المتجددة المركّبة في الدولة بنسبة 117% ، فيما ترمي الاستراتيجية الوطنية للطاقة 2050 إلى تخصيص 200 مليار درهم للقطاع بحلول ذلك العام.
وقد أسهمت الإمارات عبر مصدر في استثمار ما يزيد على 50 مليار دولار في مشاريع الطاقة النظيفة في 70 دولة منذ عام 2022، فيما تجاوز مجموع مشاريعها وتعهداتها في أفريقيا وحدها 108 مليارات دولار بين 2020 و2024، يُخصَّص معظمها لمشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.
وفي هذا الإطار، يُكتسب قرار قيادة الإمارات لمفاوضات COP28 في دبي عام 2023 معنى أعمق: فالدولة تُقدّم نفسها ليس طرفاً في صراع الطاقة بل جسراً بين مرحلتين.
الدولة تُدير اليوم اقتصاداً ارتفع ناتجه المحلي الإجمالي إلى 1.4 تريليون درهم ، مع مستهدف مضاعفته إلى ثلاثة تريليونات في رؤية “نحن الإمارات 2031”. صندوق النقد الدولي توقّع نمواً بنسبة 4.8% في 2025، تقوده قطاعات غير نفطية بنمو يبلغ 4.6%. وقد أسهمت هذه البنية الاقتصادية المتنوعة في تخفيف حدة الاعتماد على مستوى سعر النفط بوصفه متغيراً محورياً لصحة الموازنة، وهو وضع يمنح أبوظبي هامشاً أوسع في صياغة مواقفها النفطية مقارنة بدول تعتمد اعتماداً أعلى على ريع الخام.
في هذا السياق، فإن الإمارات لا تقرأ مستقبل أوبك كدولة تبحث عن مواجهة، بل كدولة تُعيد بناء دورها في منظومة الطاقة العالمية بأدوات أكثر تنوعاً وبأفق أبعد مدى. أدنوك توسّع استثماراتها في التكرير والبتروكيماويات وتقنيات احتجاز الكربون ، ومصدر تتوسع في الطاقة المتجددة على نطاق كوكبي، ومرباُن يُرسي قدرةً سعرية مستقلة، وكل ذلك يجري في وقت واحد ضمن بنية متكاملة تُعرّف الإمارات كمنصة طاقة عالمية لا كمجرد منتج يتنازع حصصاً.
التوتر مع آليات أوبك بلس الراهنة حقيقي وموثّق، وتعامل المنظمة معه حين وافقت على تعديل الحصص وعلى مراجعة آلية الحصص بالكامل لعام 2027. فالأعضاء الأكثر استثماراً يستحقون أن تعكس حصصهم واقعهم الإنتاجي الحقيقي، وهو مبدأ أذعن له التحالف. وقد كشف هذا النقاش عن حقيقة أعمق: إن الفاعلية طويلة المدى لأي تحالف إنتاجي لا تقوم على التثبيت التعسفي للأرقام القديمة، بل على استيعاب التطور الحقيقي لطاقات الأعضاء. وما تطرحه الإمارات في هذا الملف ليس طلباً استثنائياً بل سؤالاً مشروعاً يواجهه أي تحالف حين تنمو طاقات أعضائه بوتيرة أسرع مما تستوعبه هياكله.




