في محاولة غير تقليدية لمكافحة نعاس السائقين وتقليل الحوادث على الطرق السريعة، بدأت الصين اختبار أنظمة إضاءة ليزرية متعددة الألوان تُركَّب على بعض المقاطع الحيوية، لتخلق ما يشبه «أنفاق ضوئية» تنبّه السائقين ليلًا وتكسر رتابة القيادة لمسافات طويلة.
المبادرة، التي انطلقت تجريبيًا في إقليم شاندونغ شرق البلاد وعلى أجزاء من الطريق السريع تشينغداو–ينتشوان، أثارت تفاعلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي بين معجب بالفكرة وقلق من تأثيراتها على التركيز وسلامة العين.
كيف تعمل أنظمة الليزر على الطرق؟
وفقًا لتقارير متخصصة، يعتمد النظام على أجهزة إسقاط تُثبت فوق أو على جانبي الطريق، تطلق حزمًا ضوئية ملونة – بالأحمر والأخضر والأزرق – عبر شعاعات طويلة تتحرك في الهواء فوق المسار، فتكوّن ممرًا بصريًا متغيّرًا يرافق السائق لمسافة معينة.
الفكرة ليست تسليط الضوء مباشرة في عيون السائقين أو استخدام وميض مزعج، بل استهداف مجال الرؤية المحيطية؛ أي الأطراف الجانبية لمجال النظر، لتحفيز الدماغ وإبقائه في حالة يقظة دون إجهاد مباشر للعين. ويؤكد المطوّرون أن هذه الأنظمة لا تستخدم تأثيرات «الفلاش» السريعة التي قد تؤذي مرضى الصرع أو تسبب إزعاجًا بصريًا.
نعاس السائقين… خطر صامت على الطرق السريعة
تُشير دراسات عالمية إلى أن الإرهاق والنوم الجزئي أثناء القيادة يسهمان في ما يصل إلى 20–30% من الحوادث المرورية الخطيرة، خاصة على الطرق السريعة ذات المسافات الطويلة، حيث تكون المشاهد متشابهة والقيادة رتيبة لساعات.
في الصين، تعتمد طرق مثل طريق تشينغداو–ينتشوان الطويل على حركة كثيفة للشاحنات الثقيلة التي تقطع مئات الكيلومترات ليلًا، ما يجعل السائقين عرضة لشرود الذهن وانخفاض التركيز. ومن هنا جاءت فكرة استخدام الليزر كوسيلة «تحفيز بصري» تضيف عنصرًا متغيرًا إلى المشهد وتقلل احتمال أن يغلب النعاس السائق.
شهادات متباينة من خلف المقود
مقاطع الفيديو المنتشرة من هذه الطرق تُظهر ردود فعل متباينة؛ فبعض السائقين عبّر عن إعجابه بالتجربة، مؤكدًا أن الأضواء الملونة «أعادته إلى تركيزه» و«خفّفت تعب الليل» خلال القيادة، كما جاء في منشورات تداولتها منصات صينية وعربية.
في المقابل، اشتكى آخرون من أن الأضواء قد تكون مشتتة أكثر مما هي مفيدة، وقال بعضهم إنها تسببت لهم بصداع أو شعور بعدم الراحة البصرية، فيما حذّر آخرون من احتمال أن تشكل هذه الأضواء عامل إلهاء جديد، خصوصًا لمن يقودون لأول مرة عبر هذه المقاطع.
جزء من «ثورة الطرق الذكية»
خبراء النقل يرون أن هذه الأنظمة تمثل اتجاهًا جديدًا في التفكير في سلامة الطرق، يعتمد على البنية التحتية نفسها، وليس فقط على أنظمة مساعدة السائق داخل المركبة. على عكس تقنيات ADAS التي تراقب السائق من داخل السيارة وتحذّره عند الانحراف أو النعاس، يحاول الليزر الصيني تعويض بعض «العامل البشري» من الخارج عبر تصميم بصري للطريق نفسه.
هذا النهج يضع أنظمة الليزر في نفس عائلة «الطرق السريعة الذكية» والعلامات الأرضية المتطورة، التي تستخدم إنارة ذكية وحساسات وحلولًا رقمية لدعم السائق بدل أن تتركه وحيدًا في مواجهة الملل والإرهاق على الطرق الطويلة.
هل تنجح التجربة في إنقاذ الأرواح؟
حتى الآن، لا توجد بيانات منشورة على نطاق واسع حول نسبة انخفاض الحوادث في المقاطع المزوّدة بالليزر، ما يجعل التقييم النهائي للتقنية سابقًا لأوانه. السلطات الصينية تتعامل معها كخطوة تجريبية، بانتظار جمع بيانات كافية عن الحوادث، وردود فعل السائقين، وتأثير العوامل الجوية مثل الضباب والأمطار على وضوح الأضواء.
مع ذلك، يرى مؤيدو الفكرة أن أي ابتكار قادر على تقليل نسبة بسيطة من حوادث النعاس قد يعني إنقاذ مئات الأرواح كل عام، خاصة في بلد ضخم مثل الصين يضم شبكة طرق سريعة تمتد لعشرات الآلاف من الكيلومترات، وحركة شاحنات كثيفة ليلاً ونهارًا.
بين الإبداع والمخاطرة
الجدل الدائر حول «ليزر الصين» يعكس المعضلة الأوسع في عالم تقنيات السلامة: أين ينتهي الابتكار ويبدأ التشتيت؟ فبينما يحتفي البعض بفكرة تحويل الطرق إلى فضاءات بصرية أكثر ديناميكية، يطالب آخرون بمزيد من الدراسات قبل تعميم أي إضاءة غير تقليدية قد تربك السائق بدل أن تحميه.
في كل الأحوال، تبدو الصين ماضية في اختبار حلول خارج الصندوق لمشكلة قديمة قدم السيارة نفسها: كيف نمنع السائق المتعب من أن يغفو لثوانٍ تكفي لتغيير حياته وحياة من حوله إلى الأبد.




