أعادت تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خطاب رأس السنة الجديدة 2026، ولاحقاً إعلانه هدنةً لعيد الفصح الأرثوذكسي في أبريل من العام ذاته، تصعيدَ الحديث عن اقتراب موسكو من الإعلان عن ما تصفه بـ”النصر” في العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا. وتأتي هذه التصريحات في سياق حرب تجاوزت 1418 يوماً — متخطيةً بذلك مدة الحرب السوفيتية مع ألمانيا النازية — وخلّفت أكثر من مليون ضحية بين قتيل وجريح وفق التقديرات الغربية، في حين تقدم الجيش الروسي على محاور عدة في شمال شرق أوكرانيا. غير أن مراكز بحثية غربية بارزة تحذر من أن الانتصار الحاسم المزعوم لا يزال بعيداً.
بوتين يؤكد “حتمية النصر” في خطابه الأخير
في خطابه التقليدي بمناسبة رأس السنة الجديدة 2026، وجّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسالةً مباشرة إلى الجنود الروسيين المنتشرين على الجبهات، قائلاً: “نحن نؤمن بكم وبنصرنا”، مشيداً بمن وصفهم بالمقاتلين الذين “يقاتلون من أجل الوطن والحقيقة والعدالة”. وجاء الخطاب مشحوناً بلغة القناعة الراسخة بالنصر المحتوم، في إشارة واضحة إلى أن الكرملين يعيد رسم خطابه الداخلي والخارجي نحو مرحلة “ختامية” معلنة للعملية العسكرية الخاصة.وأردف نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف في تصريحات لاحقة: “أؤمن بصدق أن النصر قريب”، مؤكداً أن موسكو لن تقبل بأي تسوية تتجاهل ما يسميها “الأهداف المشروعة” للعملية. فيما أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف في تصريحات نوفمبر 2025 لوكالة تاس أن “روسيا تتقدم على الجبهة ولن تتوقف”، مضيفاً أن الحرب لن تنتهي إلا “عندما تحقق روسيا أهدافها”.
الجبهة العسكرية: تقدم روسي وهدنة استراتيجية
على الصعيد الميداني، أعلن رئيس الأركان الروسي الجنرال فاليري غيراسيموف أن القوات الروسية تحرز تقدماً ملموساً في شمال شرق أوكرانيا، وأن الرئيس بوتين أصدر أوامره بتوسيع ما وصفه بـ”المنطقة العازلة” في محيط منطقتي سومي وخاركيف الأوكرانيتين. ويرى المراقبون أن هذا التوجيه ينسجم مع استراتيجية روسية معلنة تقوم على ضغط ميداني متصاعد يُعزز الموقف التفاوضي في أي مفاوضات مستقبلية.
وقد رصد معهد RUSI البريطاني هذا التوجه في تقاريره الأخيرة، مشيراً إلى أن روسيا تسعى إلى تحقيق ما وصفه بـ”انتصار في ثلاث مراحل” بحلول عام 2026، تشمل تثبيت السيطرة على المناطق التي ضمتها رسمياً، وتوسيع الهيمنة الميدانية في الجنوب والشرق، وإجبار كييف على القبول بتسوية تعترف بالأمر الواقع.
الهدنة في عيد الفصح: رسالة سياسية أم خطوة تكتيكية؟
في التاسع من أبريل 2026، أعلن الكرملين عن هدنة إنسانية لمدة 32 ساعة بمناسبة عيد الفصح الأرثوذكسي، وهو الإعلان الذي قبله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وقد أثارت الهدنة تساؤلات واسعة حول دلالتها الحقيقية: هل هي رسالة إلى الرأي العام الدولي تُظهر بوتين بصورة “الزعيم الراغب في السلام”، أم هي مناورة تكتيكية تتيح لقواته إعادة التمركز وتجديد الإمدادات على الجبهة؟
وبغض النظر عن التفسيرات، فقد نجحت الهدنة في تصدر عناوين وسائل الإعلام الدولية، من رويترز إلى الجزيرة، مانحةً موسكو زخماً دبلوماسياً مؤقتاً. وأبدى عدد من المحللين شكوكاً في استدامتها، في ضوء ما وصفوه بـ”الفجوة الكبيرة” بين مطالب الطرفين في أي تسوية محتملة.
الرأي العام الروسي يتوقع النصر
كشف استطلاع للرأي أجري في ديسمبر 2025 في روسيا عن حجم التعبئة الوطنية التي أحدثها الخطاب الرسمي للكرملين؛ إذ رأى 70% من المستطلَعين أن عام 2026 سيكون “أكثر نجاحاً” لروسيا، فيما توقع 55% منهم انتهاء “العملية العسكرية الخاصة” خلال العام ذاته. وتعكس هذه الأرقام نجاحاً لافتاً للآلة الإعلامية الروسية في تشكيل القناعات الشعبية، بصرف النظر عن الواقع الميداني المعقد.
وفي سياق داخلي موازٍ، تصاعدت حدة التعبئة الاجتماعية في روسيا، مع تصاعد ملحوظ في وتيرة التصريحات الرسمية التي تتحدث عن “اقتراب ساعة الحسم”، في مشهد يبدو أن الكرملين يُعدّ من خلاله الرأي العام لمرحلة سياسية جديدة، سواء أكانت إعلان انتصار رسمي أم تسوية مُصاغة بلغة الانتصار.
تحليل: ما بين الخطاب والواقع الميداني
على الرغم من حدة الخطاب الروسي وزخمه الإعلامي، يُقدم معهد دراسة الحرب الأمريكي (ISW) تقييماً مغايراً؛ إذ يؤكد أن “المكاسب الميدانية الروسية الكبرى ليست وشيكة ولا حتمية”. ويُلفت المعهد إلى أن الجيش الروسي — رغم تقدمه التدريجي في بعض المحاور — يدفع ثمناً بشرياً ومادياً باهظاً، مع معدلات استهلاك للذخائر والمعدات تتجاوز طاقة الصناعة الحربية الروسية على المدى البعيد.
ثمة توتر واضح إذن بين سردية الكرملين التي تُصوّر النصر وشيكاً وحتمياً، وبين التقييمات الغربية التي ترى أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف مطول لا يُفضي بالضرورة إلى نصر عسكري حاسم لأي من الطرفين. والجدير بالذكر أن الحرب تجاوزت بالفعل عتبة الـ1418 يوماً، متخطيةً بذلك مدة الحرب العالمية الثانية على الجبهة السوفيتية-الألمانية، وهو رقم تختلف في قراءته الرواية الرسمية الروسية والتحليلات الغربية المستقلة اختلافاً جوهرياً.
ردود الفعل الدولية
استقبلت العواصم الغربية الخطابَ الروسي بمزيج من الحذر والريبة. وأكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن واشنطن “تقيّم التصريحات الروسية بناءً على الأفعال لا الكلمات”، في حين دعا الاتحاد الأوروبي إلى “وقف إطلاق نار دائم وشامل يستند إلى مبادئ القانون الدولي”. أما حلف الناتو فقد أكد استمرار دعمه لأوكرانيا، مشيراً إلى أن أي تسوية ينبغي أن تنبثق من إرادة كييف لا من إملاءات موسكو.
وعلى الجانب الأوكراني، رحّب الرئيس زيلينسكي بهدنة عيد الفصح لكنه شدد على أن بلاده لن تقبل بأي صيغة للسلام تُكرّس الاحتلال أو تُشرّع الضم الروسي للأراضي الأوكرانية، مؤكداً أن كييف تواصل السعي للحصول على ضمانات أمنية دولية قوية، وفق ما نقلته وكالة رويترز.
ماذا بعد؟ سيناريوهات المرحلة القادمة
يبدو المشهد الراهن مرشحاً لثلاثة سيناريوهات رئيسية في المرحلة القادمة: الأول هو مواصلة روسيا ضغطها الميداني بهدف انتزاع مكاسب إضافية تُعزز موقفها قبيل أي مفاوضات، مع إعلان مبكر عن “انتصار جزئي” يُسوّق داخلياً. والثاني هو وصول الحرب إلى طريق مسدود يُفضي إلى تسوية مجمّدة شبيهة بنماذج سبق أن شهدتها منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي. أما السيناريو الثالث فيبقى احتمال الانهيار الميداني المفاجئ لأحد الطرفين، وهو ما يرصده المحللون باعتباره الأقل احتمالاً في ضوء المعطيات الراهنة.
في كل الأحوال، يبقى الفارق الجوهري قائماً بين مشهدَين: مشهد الكرملين الذي يُصوَّر فيه النصر وشيكاً ومحسوماً، ومشهد الميدان بتعقيداته وتكاليفه البشرية الجسيمة التي تتجاوز المليون ضحية، في حرب باتت تُلقي بظلالها الثقيلة على رسم الخريطة الأمنية الأوروبية لعقود قادمة.




