مع اقتراب ساعة الصفر من منتصف ليل الأربعاء، باتت الهدنة الأمريكية-الإيرانية على حافة الانهيار الكامل؛ إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاء زيارة نائبه جيه دي فانس لإسلام آباد التي كان مقرراً أن تقود الجولة الثانية من مفاوضات السلام، في حين أكد التلفزيون الرسمي الإيراني أن “أي وفد إيراني، سواء كان رئيسياً أم ثانوياً، لم يغادر حتى الآن إلى باكستان”. الهدنة التي أُعلنت في السابع من أبريل تنتهي رسمياً عند الثالثة فجراً بتوقيت الشرق الأوسط — الثامنة مساءً بتوقيت الساحل الشرقي الأمريكي — من يوم الأربعاء 22 أبريل، والعالم يترقب ما إذا كانت الساعات الأخيرة ستُنتج معجزةً دبلوماسية أو تفتح أبواب المواجهة من جديد.
قرار مفاجئ: لماذا أُلغيت زيارة فانس؟
جاء إلغاء زيارة نائب الرئيس فانس مفاجئاً بعد أيام من التلميح الأمريكي بأن الجولة الثانية ستُعقد في إسلام آباد، حاملاً في طياته رسائل تصعيدية متعددة. وكان ترامب قد كتب على منصة Truth Social في تصريح نقلته CNN عربي: “انتهى زمن اللطف”، في إشارة إلى استياء واشنطن من التعنت الإيراني في الجولة الأولى. وجاء القرار بعد ساعات من احتجاز المدمرة الأمريكية USS Spruance السفينةَ الإيرانية “توسكا” في التاسع عشر من أبريل، في أول عملية من نوعها منذ بدء الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، وهو ما اعتبرته طهران انتهاكاً صريحاً لروح الهدنة.
ويرى محللون أن الإلغاء يعكس حسابات أمريكية مزدوجة: ضغط على طهران لتليين موقفها، مع إرسال إشارة إلى الرأي العام الداخلي بأن إدارة ترامب لن “تُكافئ” الجانب الإيراني بتقديم تنازلات دبلوماسية في ظل ما وصفه مسؤولون أمريكيون بـ”التهرب المتواصل”. غير أن المعادلة تبقى بالغة الهشاشة، إذ يدور الجانبان في حلقة مفرغة بين شرط التفاوض وشرط وقف العدائيات.
طهران تنفي وتشترط: ثلاثة مطالب قبل التفاوض
على الجانب الإيراني، أكد التلفزيون الرسمي مساء الاثنين الحادي والعشرين من أبريل أن “أي وفد إيراني لم يغادر إلى باكستان”، في نفي قاطع يُلقي بظلاله الثقيلة على مصير أي مفاوضات محتملة. وبات رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف الناطق الأبرز بالموقف الإيراني المتشدد، مُعلناً أن “إيران لا تقبل التفاوض تحت وطأة التهديدات”، ومشترطاً ثلاثة مطالب لا تفاوض عليها قبل الجلوس إلى الطاولة: رفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، ووقف الضربات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والإفراج الفوري عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. ووصفت وكالة تسنيم الإيرانية الموقف بأن “المطالب الأمريكية المبالغ فيها هي التي عرقلت الاتفاق”، في تحميل صريح لواشنطن مسؤولية الجمود الراهن.
الجولة الأولى: 21 ساعة بلا اتفاق
لفهم حجم الهوة القائمة، تكفي العودة إلى ما جرى في إسلام آباد بين الحادي عشر والثاني عشر من أبريل الماضي. جلس فانس ومستشار الأمن القومي ويتكوف وجاريد كوشنر في مواجهة قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي طوال واحد وعشرين ساعة متواصلة، دون التوصل إلى أي اتفاق. وغادر فانس باكستان قائلاً في تصريح نقلته وكالة أسوشيتد برس: “وضعنا عرضنا النهائي والأفضل، وسنرى إذا كانوا سيقبلونه”. وكان الملف النووي مفترق الطرق الأكبر؛ إذ تُصرّ واشنطن على التخلي الكامل عن البرنامج النووي الإيراني وتفكيك منظومة التخصيب، فيما ترفض طهران ذلك رفضاً قاطعاً مطالبةً بإطار تفاوضي أشمل يشمل الضمانات الأمنية والتعويضات وفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة دون قيود.
باكستان تتمسك بدور الوسيط
في خضم هذا التوتر، تواصل إسلام آباد جهودها الوساطية بزخم غير مسبوق. وصفت الناطقة باسم الحكومة الباكستانية نيلوفر أفريدي ما تبذله بلادها بأنه جهد يعمل “على مدار الخمس والعشرين ساعة” لتذليل العقبات الدبلوماسية ومنع انهيار المسار التفاوضي. وأشارت مصادر دبلوماسية تحدثت إلى الجزيرة إلى وصول بعض الوفود إلى العاصمة الباكستانية، وإن ظل التأكيد الرسمي غائباً. وأوردت وكالة AP من جهتها أن كلا الطرفين الأمريكي والإيراني أبديا “موافقة مبدئية” على إرسال مفاوضين إلى إسلام آباد في الساعات الأولى من صباح الأربعاء، وهو ما يُبقي خيط الأمل رفيعاً لكنه لم ينقطع بعد. وقد أشاد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بالجهود الباكستانية، مشيراً إلى أن “فانس مستعد للسفر إلى باكستان”، مطالباً إيران بـ”مد يدها”.
تحليل: “انتهى زمن اللطف” — ما معنى ذلك؟
جملة ترامب الواحدة على Truth Social أطلقت موجة من التأويلات في العواصم الإقليمية والدولية. يرى محمد إلماصري، الباحث في معهد الدوحة للدراسات الاستراتيجية، في تصريح نقلته CNN، أن الوضع “بالغ الخطورة” وأن واشنطن “أساءت الحسابات” حين ظنت أن الضغط العسكري سيدفع إيران نحو التفاوض من موقع ضعف. ولا تبدو طهران مستعجلة للرضوخ؛ فرغم الخسائر الفادحة — أكثر من ثلاثة آلاف قتيل على الأراضي الإيرانية و2100 في لبنان وفق أرقام أوردتها سكاي نيوز عربية — تتمسك القيادة الإيرانية بخطاب السيادة ورفض “الإملاءات”. في المقابل، تُشير وقائع الجولة الأولى إلى أن الجانب الأمريكي لم يُقدم حتى الآن على تقديم ما يكفي من الضمانات السياسية والأمنية التي تمنح طهران مخرجاً مشرفاً.
ساعة الحقيقة: ثلاثة سيناريوهات قبل منتصف الليل
مع اقتراب منتهى الهدنة، تتشكل ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
أولاً — التمديد الطارئ: إذا نجحت باكستان في انتزاع موافقة الطرفين على تمديد تقني للهدنة لأيام إضافية، فسيُتاح قدر من الوقت لتقليص الهوة. غير أن ترامب صرّح صراحةً بأنه “لا يريد تمديد الهدنة”، مما يجعل هذا الخيار مشروطاً بتحول دراماتيكي في الموقف الأمريكي.
ثانياً — الانهيار والعودة إلى الحرب: إذا انتهت الهدنة دون اتفاق أو تمديد، فإن منطقة الشرق الأوسط ستجد نفسها أمام استئناف العمليات العسكرية، وهو السيناريو الأكثر دموية في ضوء الخسائر المتراكمة، بما فيها مقتل خمسة عشر جندياً أمريكياً وفق ما أفادت به وكالة رويترز.
ثالثاً — الاتفاق المتسرع: تحت ضغط الساعة، قد يتوصل الطرفان إلى صيغة مؤقتة تُجمّد الوضع الميداني دون حسم القضايا الجوهرية — وهو ما سيُعيد المفاوضات إلى المربع الأول مع هشاشة أعلى وثقة أدنى.
تبقى الساعات القليلة المقبلة حاسمةً في تحديد مصير منطقة تتكئ على حافة جرف سياسي بالغ الانحدار. وكالة رويترز والجزيرة يُتابعان التطورات لحظةً بلحظة.




