يقف العالم على صفيح ساخن مع اقتراب منتصف ليل الثلاثاء، حين تنتهي رسمياً الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران، فيما يُحكم الأسطول الخامس الأمريكي قبضته الحديدية على مضيق هرمز والخليج العربي، مستنفِراً أضخم تشكيل بحري أمريكي منذ غزو العراق عام 2003. وبعد أن فشلت محادثات إسلام آباد في التوصل إلى اتفاق، واحتجزت البحرية الأمريكية السفينة الإيرانية “توسكا” في عملية وصفتها طهران بـ”القرصنة السافرة”، باتت المنطقة تترقب بقلق بالغ ما الذي سيحمله الساعات الأولى من يوم الأربعاء.
الأسطول الخامس: حضور غير مسبوق منذ 2003
تتمركز في المنطقة حاملتا طائرات من الفئة الأضخم في العالم: USS Abraham Lincoln وUSS Gerald R. Ford، يترأسان مجموعتَي ضربة بحريتين تمتد سيطرتهما على نحو 2.5 مليون ميل مربع تشمل مياه الخليج العربي وبحر العرب والجزء الشمالي من المحيط الهندي، وكلها تخضع لولاية الأسطول الخامس المتمركز في المنامة. وفق ما أفادت به رويترز ووكالة أسوشيتد برس (AP)، لم تشهد المنطقة تكثيفاً عسكرياً أمريكياً بهذا الحجم منذ بداية الغزو الأمريكي للعراق في مارس 2003، وهو ما يُجسّد عملياً الجدية القصوى التي تُعامل بها واشنطن أزمة قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط.
جاء هذا الحشد في سياق الحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026 حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات مشتركة على الأراضي الإيرانية، وهي حرب أودت حتى الآن بحياة أكثر من 3000 شخص في إيران، وأكثر من 2100 في لبنان، فضلاً عن 23 قتيلاً إسرائيلياً و15 جندياً أمريكياً وفق إحصاءات محدّثة نشرتها CNN عربي.
احتجاز “توسكا”: الشرارة التي تُهدد الهدنة
في صبيحة يوم 19 أبريل، أطلقت المدمرة الأمريكية USS Spruance (DDG-111) نيرانها على السفينة الإيرانية “توسكا” في بحر العرب، وأوقفتها عن الحركة قبل أن تُسيطر عليها قوات مشاة البحرية الأمريكية التابعة للوحدة البحرية الـ31، في أول عملية اعتراض رسمية تُنفذها البحرية الأمريكية منذ إعلان الحصار. وأكد البنتاغون أن السفينة كانت تحمل شحنات تندرج ضمن البضائع المحظورة بموجب قرار الحصار البحري الكامل الذي أعلنه الرئيس ترامب في 13 أبريل.
ردّت إيران بحدة على هذه العملية، معتبرةً إياها “قرصنة بحرية” تشكّل انتهاكاً صريحاً للهدنة المعلنة، في حين أكد ترامب في تصريحاته أن الحصار البحري “سيبقى بكامل قوته حتى التوصل لاتفاق”، نافياً أن تكون العملية تعارضاً مع بنود الهدنة التي لم تُنهِ الحصار بل جمّدت العمليات الهجومية فحسب. ووصف مسؤول عسكري إيراني رفيع، في 17 أبريل، السفن الحربية الأمريكية بأنها “أهداف مشروعة يمكن استهدافها وإغراقها”، في تصعيد لفظي حاد وصفه محللون بأنه رسالة تفاوضية ذات حدّين.
مضيق هرمز: ورقة ضغط وشريان مقطوع
بات مضيق هرمز، الممر المائي الذي يعبر منه نحو خُمس إجمالي إمدادات النفط العالمية، ساحةً لمواجهة هادئة ومكتنزة بالخطر. ففي 17 أبريل، هاجمت قوات إيرانية سفناً تجارية في المضيق في عملية قالت طهران إنها جاءت رداً على الحصار المفروض عليها، فيما رصدت تقارير Fortune ورويترز أن عبور الناقلات النفطية عبر المضيق تراجع بنسبة 10% عن معدلاته المعتادة، مع وجود مئات السفن عالقة على طرفَي المضيق في انتظار ما ستؤول إليه الأمور.
وقد أعلنت طهران مراراً أن “أمن المضيق ليس مجاناً”، وهو خطاب يُقرأ في عواصم كثيرة على أنه استعداد لتصعيد قد يطال شرياناً نفطياً يتوقف عليه الاقتصاد العالمي.
إسلام آباد: مفاوضات على شفا الانهيار
في الفترة الممتدة بين 11 و12 أبريل، احتضنت العاصمة الباكستانية إسلام آباد جولة دبلوماسية أمريكية رفيعة المستوى ضمّت نائب الرئيس جي دي فانس، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر مستشار الرئيس. غير أن المحادثات انتهت دون التوصل إلى اتفاق ملزم رغم ما وصفه مسؤولون في 15 أبريل بـ”موافقة مبدئية” على تمديد الهدنة.
نيلوفر أفريدي، المسؤولة الباكستانية التي ترأّست الفريق الميسِّر للمباحثات، أكدت في تصريحات نقلتها الجزيرة أن إسلام آباد تعمل “خمساً وعشرين ساعة في اليوم” لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة، في إشارة إلى الجهد الاستثنائي الذي تبذله باكستان في لعب دور الوسيط، وهو دور حسّاس في ظل علاقاتها المعقدة مع الطرفين.
تحليل: “سوء الحسابات” يُعقّد المخرج
“الوضع بالغ الخطورة، وواشنطن أساءت الحسابات”، هذا ما قاله محمد إلماصري، الباحث في معهد الدوحة للدراسات الاستراتيجية، في تعليق نقلته شبكة CNN عربي. ويرى إلماصري أن إعلان الحصار البحري الكامل في 13 أبريل جاء قبل أن تنضج الأرضية الدبلوماسية، مما أوجد معادلة يصعب فيها على طهران القبول بأي تسوية دون أن تبدو مُذعِنة أمام رأيها الداخلي.
في المقابل، تتمسك واشنطن بأن الضغط العسكري والاقتصادي الأقصى هو الطريق الوحيد لإجبار إيران على التفاوض الجاد حول برنامجها النووي ودورها الإقليمي، فيما تردد طهران أنها لن تتفاوض “تحت القصف والحصار”، وهو ما يُفضي إلى حلقة مفرغة تضيّق هامش المناورة أمام الوسطاء.
ساعة الحقيقة: 22 أبريل يوم الاختبار الأكبر
مع انتهاء الهدنة رسمياً يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، يبدو أن المنطقة أمام ثلاثة سيناريوهات لا رابع لها: التمديد، وهو الخيار الذي لا تزال باكستان تسعى إليه بلا كلل، لكنه يستلزم تنازلات متبادلة لم تتضح ملامحها بعد. الانهيار، وهو السيناريو الذي تخشاه أسواق النفط والملاحة الدولية، ويعني استئناف العمليات العسكرية وربما إغلاق المضيق. أو الاتفاق المتسرع، الذي يؤجل الأزمة دون حلها، وهو ما يُبقي فتيل التوتر مشتعلاً.
المؤكد أن الساعات القادمة حبلى بما يمكن أن يُغيّر مسار المنطقة، فيما تظل مئات السفن عالقة في مضيق هرمز شاهداً صامتاً على تصادم إرادات يُقرر معه مصير شريان الطاقة العالمي.




