نظارات اندريه مونتانا برزت، وسط عالم تتسارع فيه الصيحات وتُنسى الموضات، كصوتٍ مغاير، يوقّع كل تصميم وكأنه رسالة شخصية من الزمن، إلى من يقدّر العمق والجمال. هو ليس مصمم نظارات فاخرة فحسب، بل راوي قصص يكتبها عبر ظلال وعدسات، ويجعل من كل قطعة توقيعاً لهوية.
“بدأ كل شيء من لحظة لم أخترها… بل شعرت بها”
الشرارة الأولى أو المحرك
هكذا يصف أندريه تلك الشرارة الأولى التي انطلقت من هدية بسيطة: نظارة قديمة أهداه إياها جده، صنعت في مدينة “موراز” الفرنسية، بزجاجها العتيق وإطارها المحفور بحِرفية، كانت الهدية التي فتحت له أبواب عوالم لم يكن يتخيّلها. لم يكن يعلم الطفل الذي تسلّم نظارة جدّه، بإطارها العتيق المصنوع يدويًا، أنه يحمل بين يديه بداية حكاية ستأخذه من قلب أوروبا إلى وجوه الأيقونات حول العالم. أندريه مونتانا، الذي شقّ طريقه أولًا كمهندس، لم يخطط لأن يكون مصممًا، ولم يسعَ إلى شهرة. لكنه في لحظة صامتة، شعر بشيء أعمق: رغبة في حماية ما يُنسى، وإعادة الاعتبار للجمال الكامن في التفاصيل المنسيّة.
كانت النظارات القديمة التي ورثها من جدّه، محطّ إعجابه لمجرد وزنها وصمتها الأنيق، لكن مع الوقت، أصبحت رمزًا. يقول: “لم تكن مجرّد إطار من الزجاج، بل جسدت حضوراً هادئاً، فيه نوع من الهيبة، وكأنها تحمل أسرار زمن آخر.”




بيونسيه ونظارات اندريه مونتانا
وعندما بدأ يشعر بأن السوق الحديث يفتقر إلى هذه الروح، تولّدت لديه رغبة بالتصميم لا ليبيع، بل ليعيد الحياة إلى تقاليد تكاد تنقرض. ومع كل تصميم جديد، لم يكن أندريه يركض وراء الموضة. على العكس، كان يقف ضدّ تيارها، مفضلًا العمل بصمت، وإنتاج قطع محدودة، موقّعة، تحمل حسًّا تاريخيًا لكن بلغة اليوم. هكذا، دون حملات تسويقية ضخمة، وجدت نظاراته طريقها إلى وجوه نجمات عالميات مثل بيونسيه وجنيفر لوبيز لا لأنهن تلقينها كهدايا، بل لأن فرقهن بحثت عنها. “أنا لا أصمّم للنجوم. أصمّم لمن يقدّر القطعة كهوية. حين ترتديها بيونسيه، فهذا لا يغيّر هدفي، بل يؤكده.” “فبيونسيه، على سبيل المثال، لا ترتدي شيئاً عبثاً. عندما اختارت نظارتي Coral، كانت تعرف أنها تختار قطعة تروي قصة.” ومن الطرائف التي يكشفها، أن إحدى المشاهير طلبت تصميم قطعة خاصة لن تُصوّر أو تُباع أبداً، فقط لها، باسمها محفور داخل الذراع، وكلمة سر محفورة من الداخل، لا يعرفها سوى اثنان. “ذلك التصميم لم يكن مجرد نظارة… كان سِرّاً يُرتدى.”
“في لحظات كهذه، لا يعود التصميم فعلًا جماليًا فقط، بل طقسًا حميميًا، يكاد يكون مقدّسًا.”






الجوهر
ومع الشهرة، بقيت نواة المشروع وفية لجوهرها: نظارات مصنوعة من التيتانيوم عالي الجودة، خفيفة كأنها نسمة، ومطلية بطبقة من ذهب عيار 24. ليست للعرض فقط، بل لتُرتدى، وتُعاش، وتُرث.
النظارات ليست مجرّد إطار، بل حكاية مصوغة بخطوط منحوتة ببطء. لكن ما يميّز كل قطعة، كما يقول، هو الروح الكامنة خلف الخطوط، لا لمعان المعدن فحسب. ويؤكد قائلاً: “أنا أعشق التحديات مع الحرفيين في اليابان. أُطلب منهم أشياء خارج المألوف. حين يقولون لي ‘هذا مستحيل’… أعرف أنني على وشك ابتكار شيء عظيم.”



المحطة التالية: مشغل في قلب دبي
نقل مونتانا مقرّه إلى دبي، حيث وجد مزيجًا نادرًا: بنية تحتية عالمية، وسرعة حركة، يقابلها حسّ عميق بالجمال والتفاصيل. في المدينة، وجد بيئة تسمح له بأن يحلم ويتوسّع، دون أن يتنازل عن القيم التي بدأ بها.
“دبي لا تطلب التنازل، بل تدفعك للارتقاء،” يقول. ولهذا السبب، يستعد لافتتاح أول متجر رئيسي للعلامة في قلب المدينة، ليس كمكان للبيع، بل كـمعرض فني تفاعلي. والهدف الأبعد؟ إنشاء مصنع اإنتاج نظارات حِرفي بالكامل داخل الإمارات، يعيد تعريف الصناعة في المنطقة، ويبني إرثًا محليًا. ويقول: “صناعة محلية بنَفَس عالمي، بمستوى اليابان وإيطاليا، لكن بروح الشرق الأوسط. حلمي أن تُصنع النظارات هنا… وتحمل توقيع “صنع في الإمارات”.
أما عن منهجيته الإبداعية، فهي تبدأ دائمًا من الشعور، من الإلهام كما يسميه، وليس من الخامة. قد تكون إشارة بصرية، شخصًا، حتى تفصيلة صغيرة في لوحة كلاسيكية، ثم تأتي المواد بعد ذلك لتخدم الرؤية. “المادة لا تقودني، بل أختارها حين تكتمل الصورة في داخلي.”








عملاء اندريه مونتانا
يعود مونتانا في الكثير من تصميماته إلى عصور الباروك والرومان والفيكتور، لكن بلغة معاصرة، صامتة، أنيقة، تُشبه كثيرًا جمهوره: أولئك الذين لا يتحدثون كثيرًا عن أناقتهم، لكنها تفرض نفسها بدون صخب.
“العميل الذي أصمّم له ليس من يلاحق الصيحات، بل من يصنع توقيعه الخاص. شخص يلبس ليقول: هذا أنا، بلا شرح.”



ما الذي يجعل النظارة أيقونية؟
بالنسبة لأندريه، النظارات الأيقونية لا تُقاس بالشعبية بل بالبصمة. “الإطار الأيقوني لا يُكمل المظهر، بل يُعبّر عن الشعور. هو ما يجعل الشخص يبدو أكثر حضوراً، أكثر غموضاً، أو أكثر قوة.” ويضيف: “النظارات مثل التاج… لكنها على العينين.”

نظرة على المستقبل.. ما بعد نظارات اندريه مونتانا
اليوم، يضع أندريه عينه على التوسّع، لكن بهدوء. هناك تصاميم جاهزة لحقائب، وخطوط في الأزياء، وربما مجوهرات، لكنها تنتظر اللحظة المناسبة. بالنسبة له، لا شيء يُصنع على عجل. كل قطعة يجب أن تكون “خليطًا من الزمن، تُنحت كما تُكتب القصائد.”
وحين سألناه: كيف يختصر الإرث الذي يبنيه؟ أجاب بلا تردد: “مصنوعة. خالدة. أيقونية.”
ربما بهذه الكلمات الثلاث فقط، نستطيع أن نختصر ما يجعل تصميمات أندريه مونتانا تختلف. ليست موضة تمرّ. بل أثرٌ يبقى.




