في التاسع من يونيو عام 2008، وقف ستيف جوبز على مسرح مؤتمر المطورين العالمي (WWDC) التابع لآبل ليعرض التفاصيل الكاملة لـ “متجر التطبيقات” (App Store) قبل إطلاقه الرسمي. وفي مطلع عام 2009، أطلقت آبل حملتها الإعلانية التلفزيونية التي رسخت العبارة الشهيرة: “هناك تطبيق لكل شيء” (There’s an app for that). في تلك المرحلة التاريخية، لم يكن جوبز يطلق مجرد متجر رقمي، بل كان يضع الدستور الاقتصادي الأساسي لكيفية تفاعل الجنس البشري مع التكنولوجيا للقرن الحادي والعشرين.
على مدار الثمانية عشر عاماً الماضية، خضعنا جميعاً، حكومات، وشركات، ومستهلكين، لهذا الدستور. لقد تمت برمجة عقولنا واقتصاداتنا لتقسيم حياتنا إلى مربعات ملونة صغيرة على شاشات زجاجية. اليوم، تُشير التوقعات إلى أن إيرادات التطبيقات العالمية ستبلغ حوالي 613 مليار دولار، بينما يُتوقع أن يتجاوز حجم سوق الإعلانات عبر الأجهزة المحمولة حاجز الـ 367 مليار دولار في 2026.
لكن، في المؤتمر العالمي للهواتف المحمولة (MWC 2026) في برشلونة، وبينما كانت واجهات العرض تضج بالهواتف القابلة للطي، كان هناك انقلاب صامت وعميق يُطبخ. انقلاب لا يستهدف تغيير شكل هذه المربعات الملونة، بل يهدف إلى إعدام هذا السوق الذي يقارب التريليون دولار بالكامل ومسحه من الوجود.

شركات أشباه الموصلات الكبرى، وتحديداً عملاق الرقائق الأمريكي “كوالكوم” (Qualcomm)، قررت أن عصر “الشاشة المزدحمة” قد انتهى. إنهم يؤسسون لمرحلة “ما بعد التطبيقات” (App-less Era)، حيث سيختفي المربع الملون ليحل محله كيان واحد، غير مرئي، كلي القدرة، يُسمى: الذكاء الاصطناعي الوكيل (Agentic AI).
رجل كوالكوم القوي يفجر المفاجأة
لفهم حجم هذا الزلزال الذي يضرب جذور وادي السيليكون، كان علينا أن نبتعد عن ضجيج منصات العرض، ونجلس وجهاً لوجه مع صُناع القرار الحقيقيين. في جناح خاص ومغلق، التقينا بوسيم شوربجي، رئيس شركة كوالكوم في الشرق الأوسط وأفريقيا (MEA) ونائب الرئيس الأول للشؤون الحكومية.
كنا نتوقع من شوربجي أن يغرقنا في تفاصيل ترددات المعالجات ولغة السيليكون الجافة. لكن الرجل كان يتحدث بلغة الفلاسفة الذين يدركون أنهم على وشك تغيير سلوك البشر.
عندما وجهنا له السؤال المباشر حول مصير الهواتف الذكية في ظل هذه الفوضى من نماذج الذكاء الاصطناعي، لم يتردد شوربجي، وألقى بتصريح ينسف كل ما تعلمناه عن تجربة المستخدم منذ عام 2008. قال بحسم تام: “الذكاء الاصطناعي هو واجهة المستخدم الجديدة. هذا هو بالضبط ما تطلبه وتنتظره. واجهتك هي الذكاء الاصطناعي، لذا… لا توجد تطبيقات”.
توقف قليلاً ليدع الفكرة تترسخ، ثم أضاف الجملة التي ستصبح مانشيت المرحلة القادمة: “في المستقبل القريب جداً، ستشتري هاتفاً ذكياً لا يحتوي على أي تطبيق”.
لتستوعب صدمة هذا التصريح، تخيل معمارية يومك: أنت لن تلمس شاشة هاتفك لفتح تطبيق التقويم، ثم تطبيق الطيران، ثم تطبيق البنك. ستنطق بعبارة واحدة لهاتفك أو لساعتك الذكية: “رتب لي رحلة لحضور مؤتمر التكنولوجيا في دبي الأسبوع القادم، وحافظ على نفس ميزانية رحلتي الأخيرة”.
في أجزاء من الثانية، سيقوم هذا “الوكيل الذكي” بالدخول إلى خوادم شركات الطيران لحجز التذكرة الأنسب، واختيار فندقك المفضل. الكود البرمجي سيقوم بالاتصال بالأكواد البرمجية للشركات الأخرى، بينما أنت كمستخدم لن ترى أي واجهة بصرية، ولن تفتح أي تطبيق. الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة دردشة؛ لقد أصبح “مديرك التنفيذي” الشخصي.

القنبلة الموقوتة في الرياض.. رؤية نظام التشغيل الجديد
هذا المفهوم الثوري يطرح سؤالاً استراتيجياً خطيراً: كيف يمكن لشركة مثل “كوالكوم”، تُعرف تاريخياً بأنها مورد لشرائح السيليكون، أن تقود ثورة برمجية تلغي التطبيقات؟
الجواب وجدناه في الرؤية التي كشف عنها الرئيس التنفيذي لكوالكوم، كريستيانو أمون، والتي تتلخص في أن الذكاء الاصطناعي سيغير بشكل جوهري مفهوم نظام التشغيل والتطبيقات. الشركة لا تكتفي ببيع الرقائق؛ بل تطمح لتجسيد رؤية مستقبلية لبيئة متكاملة تُمثل الجيل القادم من “أنظمة التشغيل” المبنية بالكامل على فلسفة “الذكاء الاصطناعي الوكيل” والخالية من التطبيقات التقليدية.
والمفاجأة أن دفع هذه الرؤية المستقبلية لن يقتصر على مسارح وادي السيليكون؛ بل سيتجلى بقوة في العاصمة السعودية، الرياض، وتحديداً خلال فعاليات مؤتمر (LEAP) التقني الضخم.
لماذا الرياض؟ لأن جزءاً أساسياً من هذه البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي يتم تطويره بشراكة استراتيجية عميقة وممولة بسخاء مع شركة (HUMAIN – هيومَن)، الكيان التكنولوجي التابع لصندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF). هذه الشراكة هي محاولة صريحة وجريئة لكسر الاحتكار الثنائي (Duopoly) المهيمن على أنظمة التشغيل (iOS و Android). كوالكوم والرياض تبنيان معاً بنية تحتية جديدة تنطلق من الشرق الأوسط، لتهميش التطبيقات الغربية التقليدية.
تحدي الفيزياء ومعضلة التوسع المظلمة
من السهل إطلاق تصريحات نارية، لكن قوانين الفيزياء لا ترحم. لكي يكون “الوكيل الذكي” مفيداً، يجب ألا يكون محبوساً في الهاتف؛ يجب أن ينتقل إلى معصمك، يسمع ما تقول، ويشعر بنبضك.
استغلت كوالكوم معرض MWC 2026 لتكشف رسمياً عن منصتها الخارقة للأجهزة القابلة للارتداء: Snapdragon Wear Elite. نحن أمام تحفة في التصغير التكنولوجي بمعمارية 3 نانومتر. الأرقام مذهلة: وحدة المعالجة المركزية أسرع بـ 5 أضعاف، ومعالجة الرسوميات تحسنت بـ 7 أضعاف، مع زيادة في عمر البطارية بنسبة 30%.
الرقم الأهم هو قدرة هذه الشريحة على تشغيل نماذج لغوية ضخمة (LLMs) يصل حجمها إلى 2 مليار معلمة (Parameters) بشكل محلي تماماً (On-Device)، وبسرعة 10 رموز (Tokens) في الثانية.
ولكن هنا يظهر السؤال التقني الصعب: نحن نتحدث اليوم عن نماذج استدلالية ضخمة تصل إلى 70 مليار معلمة مثل نموذج Llama 3. هل يمكن تشغيل نماذج بهذا الحجم على هاتف؟
القاعدة التقنية في تكميم البيانات (INT8 Quantization) تشير إلى أن كل مليار معلمة يحتاج تقريباً إلى 1 جيجابايت من الذاكرة العشوائية الحرة. وهذا يعني أن تشغيل نماذج متقدمة محلياً يحتاج ذاكرة RAM ضخمة واستهلاك طاقة كبير قد يؤدي إلى خنق حراري للمكونات (Thermal Throttling).
حتى الهواتف الرائدة مثل Samsung Galaxy S26 Ultra توفر 12 جيجابايت في النسخة الأساسية و16 جيجابايت في النسخة الأعلى فقط.
لهذا السبب يتجه العالم إلى مفهوم الذكاء الاصطناعي الهجين (Hybrid AI) حيث يتم تنفيذ المهام البسيطة محلياً بينما تُرسل المهام المعقدة إلى السحابة.
الفخ المميت: حرب الـ APIs وتمرد العلامات التجارية
بعيداً عن الفيزياء، تواجه فكرة “العالم بلا تطبيقات” تحدياً اقتصادياً ضخماً.

الشركات مثل أوبر وأمازون والبنوك تعتمد على التطبيقات لجذب المستخدمين ومشاهدة العروض والإعلانات وجمع البيانات.
إذا تحولت إلى مجرد خدمات خلفية لوكيل ذكاء اصطناعي، فإنها ستفقد واجهتها مع المستخدم.
لكي يعمل الوكيل يحتاج إلى واجهات برمجية تسمى APIs للوصول إلى خدمات هذه الشركات.
لكن ماذا لو قررت شركات مثل Meta إغلاق واجهاتها؟ أو فرض رسوم ضخمة على كل طلب يصل عبر الـ API؟
في هذه الحالة قد تتحول تجربة الوكيل إلى نموذج اشتراكات مكلف للمستخدمين.
الاستثناء العظيم: السوشيال ميديا
حتى لو اختفت التطبيقات الخدمية، هناك نوع واحد قد يظل قائماً: تطبيقات الترفيه والسوشيال ميديا.
تطبيقات مثل TikTok وInstagram مبنية على اقتصاد الانتباه، حيث يقضي المستخدم الوقت في التمرير ومشاهدة المحتوى.
لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يشاهد الفيديوهات بدلاً عنك ويمنحك نفس تجربة المتعة.
لهذا قد تبقى هذه التطبيقات جزءاً أساسياً من تجربة الهاتف.
معركة كسب العقول وجيوب المستثمرين
كوالكوم تمتلك السيليكون المتقدم والبنية التقنية لدفع هذا التحول.
لكن نجاح فكرة “ما بعد التطبيقات” يتطلب حل ثلاث معضلات:
- تشغيل نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة على الأجهزة دون مشاكل طاقة وحرارة.
- إقناع الشركات بفتح واجهاتها البرمجية والتخلي عن نموذج التطبيقات.
- إقناع المستخدمين بتسليم بياناتهم لوكيل ذكاء اصطناعي يدير حياتهم الرقمية.
في السنوات القادمة سنعرف ما إذا كان هذا التحول هو الثورة التقنية التالية بعد متجر التطبيقات… أم مجرد فكرة طموحة ستصطدم بواقع الاقتصاد والتكنولوجيا وسلوك البشر.
<




