منعت السلطات الصينية اثنين من المؤسسين المشاركين لشركة Manus من مغادرة البلاد، ما يزيد من التدقيق حول استحواذ شركة ميتا بلاتفورمز عام 2025 على شركة الذكاء الاصطناعي الوكيل سريعة الصعود مقابل ملياري دولار. فقد حظرت الصين على مؤسسي Manus، شياو هونغ وجي ييتشاو، عبور أي منفذ حدودي، بينما يحقق المنظمون رسمياً فيما إذا كانت الصفقة قد خالفت القانون الصيني. وما بدا وكأنه صفقة استحواذ تاريخية في مجال الذكاء الاصطناعي أصبح الآن في قلب مواجهة جيوسياسية متصاعدة. قرارات المنع شخصية، لكن الرهانات عالمية، وخطة دمج ميتا بدأت بالفعل في التفكك.
شرح قرارات المنع من السفر: قيود على مؤسسي Manus
استُدعي الرئيس التنفيذي لـ Manus شياو هونغ وكبير العلماء جي ييتشاو إلى اجتماع في بكين مع اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح (NDRC) هذا الشهر، وفقاً لصحيفة فايننشال تايمز نقلاً عن أشخاص مطلعين على الأمر. وبعد الاجتماع، أُبلغ المسؤولان بعدم السماح لهما بمغادرة الصين بسبب مراجعة تنظيمية، مع بقائهما أحراراً في التنقل داخل البلاد.
هذه القيود ليست إجراءً شكلياً. فمع عدم قدرة شياو هونغ وجي ييتشاو على السفر خارج الصين، أصبح دمج الشركة مع فرق ميتا العالمية متوقفاً فعلياً. كلاهما منفصل جسدياً عن مقر ميتا والفرق الهندسية التي يجب أن يعملا معها. وتم فرض القيود بعد جلسات استجواب في بكين ركزت على كيفية إعادة هيكلة Manus قبل صفقة ميتا.
وتُعد هذه أول مرة تستخدم فيها بكين قرارات منع السفر لاستهداف تنفيذيين مرتبطين بصفقة مع شركة تقنية أمريكية كبرى. وتسعى Manus حالياً للحصول على دعم قانوني واستشاري لحل القضية، من دون إعلان جدول زمني للحل.
مراجعة استحواذ ميتا على Manus: تصعيد تدريجي
لم تبدأ مراجعة الصفقة مع قرارات المنع في مارس. فقد بدأ العدّ مباشرة بعد إغلاق الصفقة. كانت ميتا قد أعلنت في ديسمبر أنها ستستحوذ على Manus لتعزيز تطوير الذكاء الاصطناعي لديها. وبحلول 8 يناير، أعلنت وزارة التجارة الصينية أنها ستقيّم وتحقق في استحواذ ميتا على Manus.
وقالت الوزارة إن الشركات التي تشارك في الاستثمار الأجنبي، وتصدير التكنولوجيا، ونقل البيانات إلى الخارج، والاستحواذات، يجب أن تمتثل للقوانين واللوائح الصينية، وإنها ستعمل مع الجهات المختصة لتقييم مدى توافق الصفقة مع هذه القوانين.
ويمثل ذلك تحولاً مهماً مقارنة بشهر يناير، عندما أطلقت وزارة التجارة مراجعة رسمية بموجب قواعد الرقابة على الصادرات ونقل التكنولوجيا. حينها كان السيناريو الأقرب هو عملية تنظيمية طويلة قد تبطئ الصفقة لكنها لا تمنعها بالضرورة. إلا أن قرارات منع السفر غيّرت هذا التقدير كثيراً.
وسيكون تعامل بكين مع القضية مؤشراً مبكراً على مدى صرامة الصين في مراقبة انتقال تقنياتها ومواهبها في مجال الذكاء الاصطناعي إلى الخارج، في وقت تشتد فيه المنافسة التقنية مع الولايات المتحدة.
صفقة ميتا البالغة ملياري دولار: لماذا لفتت انتباه بكين؟
كانت الصفقة تاريخية على أكثر من صعيد. ففي ديسمبر 2025 أعلنت ميتا استحواذها على Manus، وهي شركة ذكاء اصطناعي مقرها سنغافورة، اشتهرت ببناء وكلاء ذكاء اصطناعي عامّين قادرين على تنفيذ مهام معقدة مثل البرمجة، والبحث، والتخطيط، وتحليل البيانات دون توجيه بشري خطوة بخطوة.
وتُقدّر قيمة الصفقة بنحو 2 مليار دولار، ما يجعلها واحدة من أكبر استحواذات ميتا خارج صفقات واتساب وScale AI، وتعكس اندفاع الشركة بقوة في سباق الذكاء الاصطناعي.
وترتبط قيمة Manus، التي قيل إنها وصلت إلى 100 مليون دولار من الإيرادات السنوية المتكررة خلال ثمانية أشهر فقط، ارتباطاً وثيقاً بمؤسسيها وكبار مهندسيها. هذا النمو السريع لا يأتي بثمن منخفض. وتمثل الصفقة حالة نادرة لاستحواذ أمريكي على شركة تقنية آسيوية، وأحدث رهان بمليارات الدولارات من الرئيس التنفيذي لميتا مارك زوكربيرغ.
كما تتماشى الصفقة مع استراتيجية زوكربيرغ للانتقال من الذكاء الاصطناعي القائم على المحادثة إلى وكلاء ذكاء اصطناعي ينجزون المهام نيابة عن الأفراد والشركات. وكان من المفترض أن تكون صفقة Manus حجر الأساس لهذا التحول. ففريق الشركة المكون من 100 موظف كان يمثل رهانا مركزاً على الذكاء الاصطناعي الوكيل، أي الأنظمة القادرة على التصرف ذاتياً في العالم وليس فقط الإجابة عن الأسئلة. وقد لاحظت بكين كل ذلك وتحركت.
جوهر النزاع القانوني: قواعد بكين للرقابة على تصدير التكنولوجيا
النقطة القانونية الأكثر حساسية هنا هي قواعد بكين للرقابة على تصدير التكنولوجيا. ويتمثل القلق الرئيسي في لوائح إدارة استيراد وتصدير التكنولوجيا في الصين، التي تشترط موافقة حكومية قبل نقل بعض فئات التكنولوجيا المطورة داخل الصين إلى الخارج. ويبدو أن وكلاء الذكاء الاصطناعي المتقدمين يندرجون ضمن هذه الفئة.
وتحقق السلطات فيما إذا كانت الملكية الفكرية الأساسية الخاصة بوكلاء الذكاء الاصطناعي قد نُقلت إلى الكيان السنغافوري دون الموافقات المطلوبة. وهذا هو جوهر القضية. كما تركز السلطات على ما إذا كان نقل الشركة ثم اقتراح بيعها لشركة أمريكية قد تم وفقاً لإطار الرقابة الصيني على تصدير التكنولوجيا.
وفي السنوات الأخيرة وسّعت الصين لوائحها التصديرية لتشمل تقنيات حساسة، من بينها بعض الخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي.
ويطبق المنظمون هذه القواعد بدقة لافتة، إذ يتجاوزون الواجهة السنغافورية ويسألون: من كتب الشفرة؟ أين طُورت؟ وبأي بيانات تم تدريبها؟ وهي أسئلة لا تملك Manus أو ميتا إجابات مريحة عنها. وقالت وزارة التجارة الصينية إنها ستجري تقييماً وتحقيقاً بشأن مدى التزام الصفقة بقوانين الرقابة على الصادرات، واستيراد وتصدير التكنولوجيا، والاستثمار الخارجي.
مخالفات محتملة في الإبلاغ عن الاستثمار الأجنبي
إلى جانب الرقابة على الصادرات، يشمل التحقيق احتمال وجود مخالفات في الإبلاغ عن الاستثمار الأجنبي. فقد كان شياو لا يزال يمتلك 28% من الكيان المسجل في بكين حتى أوائل 2025، وفقاً للسجل التجاري الصيني.
وتحقق السلطات فيما إذا كانت الشركة قد أفصحت بشكل صحيح عن تغييرات الملكية ونقل العمليات إلى سنغافورة، وما إذا كانت تلك التغييرات قد شكلت مخاطر على بيانات المستخدمين.
وتعد هذه حصة كبيرة لرئيس تنفيذي كانت شركته تُعرض على المشترين الغربيين باعتبارها شركة سنغافورية. كما تدرس الجهات التنظيمية فرض عقوبات محتملة على شركة Beijing Butterfly Effect Technology وعلى كبار مسؤولي Manus. ويضيف هذا المسار القانوني طبقة ثانية من المخاطر إلى جانب أسئلة الرقابة على الصادرات، مع مسؤولية شخصية مباشرة على المؤسسين.
ومن السيناريوهات القصوى المطروحة إلغاء الصفقة بالكامل، لكن ذلك سيكون معقداً لأن ميتا بدأت بالفعل في دمج تقنيات Manus داخل منظومتها. ولم يُتخذ قرار نهائي بعد. وقالت ميتا لوكالة رويترز: “الصفقة امتثلت بالكامل للقانون المعمول به، ونتوقع حلاً مناسباً للتحقيق.”
أزمة “الغسل السنغافوري”
فجرت القضية نقاشاً أوسع حول انتقال الشركات الناشئة إلى سنغافورة، وهي استراتيجية وصفها محللون بـ “الغسل السنغافوري”، أي انتقال شركات أسسها صينيون إلى سنغافورة لتقليل القيود الجيوسياسية وجذب المستثمرين الغربيين قبل الاستحواذ عليها من شركات أمريكية.
وقد طبقت Manus هذا النموذج بدقة. ففي 2025 خفّضت عملياتها في الصين، ونقلت مقرها إلى سنغافورة، واستبدلت مستثمرين مرتبطين بالدولة بصناديق رأس مال مغامر أمريكية. وكان الهدف أن تظهر كشركة سنغافورية لأغراض صفقة ميتا.
وعندما انتقلت من بكين إلى سنغافورة الصيف الماضي، مع تسريح 80 موظفاً من البر الرئيسي، وصفتها وسائل إعلام قومية صينية بأنها “هاربة”.
والآن تلاحقهم بكين رغم ذلك. ويشبه هذا التدقيق ما واجهته تيك توك، التي طالما استُشهد بها كمثال تحذيري لما تسميه بكين “الغسل السنغافوري”.
وتحمل القضية آثاراً هائلة على هذه الاستراتيجية التجارية. فالصين تؤكد أن التكنولوجيا والمواهب التي طُورت داخل حدودها لا يمكن ببساطة نقلها وبيعها لشركات أمريكية دون موافقة. وبالنسبة للشركات الصينية الأخرى التي تفكر بخطوات مماثلة، فالرسالة واضحة: الانتقال الجغرافي قد لا يوفر بعد اليوم مخرجاً تنظيمياً.
ما المخاطر على ميتا وقطاع الذكاء الاصطناعي؟
أدى منع مؤسسي Manus إلى تعطيل صفقة كانت محورية في خارطة طريق ميتا للذكاء الاصطناعي. ومنع تحركهم يخلق عراقيل فورية أمام الدمج الموعود، ويثير تساؤلات جدية حول قدرة ميتا على تحقيق الفوائد الاستراتيجية الكاملة من صفقة الملياري دولار.
كما أن مجرد حالة عدم اليقين تخدم مصالح بكين بجعل المشترين الغربيين يفكرون مرتين قبل الاستحواذ على شركات ناشئة ذات جذور صينية مستقبلاً. وهذه هي الرسالة الاستراتيجية الأوسع.
وبالنسبة للمؤسسين والمستثمرين الآسيويين، فإن القضية تسلط الضوء على تصاعد المخاطر التنظيمية المرتبطة بصفقات الخروج العابرة للحدود، في وقت تنظر فيه الحكومات إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أصلاً استراتيجياً لا مجرد قطاع تجاري.
ورغم الضغط التنظيمي، ما زالت ميتا متمسكة بالصفقة، إذ تعتبر Manus جزءاً رئيسياً من قسم Superintelligence Labs الذي يقوده ألكسندر وانغ من Scale AI. لكن مستقبل الصفقة يعتمد على مفاوضات تبدو، في ظل قرارات منع السفر وثقل قواعد التصدير الصينية، بعيدة عن السهولة.




