كشف تحقيق نشرته مجلة WIRED الأمريكية في الحادي والعشرين من أبريل 2026، عن واحدة من أبرز قضايا الاحتيال الرقمي في منصات التواصل الاجتماعي خلال العام الجاري. فالشخصية التي عُرفت باسم «إيميلي هارت»، والتي راكمت ملايين المشاهدات وآلاف المتابعين على منصة إنستغرام، لم تكن سوى هوية وهمية متقنة الصنع، ابتكرها طالب طب هندي يبلغ من العمر اثنين وعشرين عاماً، مستعيناً بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
طالب طب يُدير «مؤثرة» من غرفته
كشف التحقيق الذي أجرته صحيفة WIRED أن صاحب الفكرة يُعرَّف فقط بـ«سام»، وهو اسم مستعار، وهو طالب متخصص في الجراحة العظمية بشمال الهند. وأوضح سام أنه لجأ إلى هذا المشروع الرقمي بدافع الضائقة المادية التي عاشها خلال سنوات دراسته، وسعيه لتأمين تكاليف التعليم وتوفير مبلغ كافٍ للهجرة إلى الولايات المتحدة بعد تخرجه.
لم يكن «سام» يمتلك أي تجربة سابقة في صناعة المحتوى الرقمي، غير أنه طوّر فكرته بصورة منهجية. فقد بدأ بتجارب أولية بصور نسائية مولودة اصطناعياً، لكنها لم تلقَ أي صدى يُذكر. وعندها لجأ إلى نصيحة أداة الذكاء الاصطناعي «غوغل جيميناي»، التي أشارت عليه باستهداف شريحة المحافظين الأمريكيين، واصفةً إياها بأنها «الأكثر ولاءً والأعلى إنفاقاً».
ميلاد «إيميلي هارت».. تصميم دقيق لخداع الجمهور
في يناير 2025، أطلق «سام» شخصية «إيميلي هارت» الوهمية على منصة إنستغرام. صمّمها على شكل ممرضة أمريكية شابة، ببشرة بيضاء وشعر أشقر وعيون زرقاء، وأضفى عليها ملامح تشبه الممثلة الأمريكية جنيفر لورنس. ثم بنى حولها هوية سياسية محافظة متكاملة، تتبنى خطاب تيار «MAGA» الداعم للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
اعتمد «سام» خطاباً سياسياً حاداً في منشوراته، ونشر صور «إيميلي» وهي تصطاد على الجليد، وتمارس رماية البنادق، وترتدي الألوان الأمريكية، مع تعليقات تعبر عن مواقف متشددة إزاء الهجرة والإجهاض والدين. واستخدم لإنتاج هذا المحتوى أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة، في مقدمتها «غوغل جيميناي» و«غروك» من شركة xAI. وأكد أنه كان يكتب التعليقات بنفسه، رغم أنه لم يزر الولايات المتحدة قط، بعد أن درس ثقافة «MAGA» بعناية شديدة.
انتشار متسارع وعائد مالي ضخم
جاءت النتائج أسرع مما توقع «سام» نفسه. فقد تخطى عدد المتابعين عتبة عشرة آلاف في غضون شهر واحد فحسب. وحققت بعض المقاطع القصيرة ما بين ثلاثة وخمسة ملايين مشاهدة لكل منها، لتتضاعف الأرباح بصورة لافتة.
حوّل «سام» هذا الانتشار إلى مصدر دخل متعدد القنوات؛ إذ أسس حساباً لـ«إيميلي» على منصة «فان فيو»، المنافسة لـ«أون لي فانز» التي تتيح المحتوى المدفوع المنتج بالذكاء الاصطناعي. وباع كذلك قمصاناً تحمل شعارات «MAGA»، فضلاً عن تفاعله المباشر مع المعجبين عبر الرسائل الخاصة متنكراً في شخصية «إيميلي». وبهذه القنوات مجتمعة، حقق «سام» ما يعادل عدة آلاف من الدولارات شهرياً، وهو يمضي أقل من ساعة يومياً في إدارة الحسابات.
الانكشاف وإغلاق الحسابات
لم تدم هذه اللعبة الرقمية طويلاً. فقد رصدت منصة إنستغرام نشاطاً وصفته بـ«الاحتيالي»، وأغلقت حساب «إيميلي هارت» في فبراير 2025. ثم لحق بحسابها على منصة فيسبوك المصير ذاته، وحُذف بعد فترة وجيزة من الكشف عن هوية مشغّله.
نشرت مجلة WIRED تحقيقها الاستقصائي الشامل بتوقيع الصحفية إي جيه ديكسون، فكشف التفاصيل الكاملة أمام الرأي العام. وأقرّ «سام» لمجلة WIRED بأنه لا يعتبر ما فعله عملية احتيال، مستنداً إلى أن المتابعين تفاعلوا طوعاً مع المحتوى الذي قدّمه. وأعلن لاحقاً انسحابه من هذا المجال، وتفرغه التام للدراسة بهدف التخصص في جراحة العظام.
تحذيرات الخبراء: الذكاء الاصطناعي يُعمّق الأزمة
تجاوزت قضية «إيميلي هارت» كونها قضية فردية معزولة، لتغدو نموذجاً صارخاً يكشف عن تحديات بنيوية عميقة تواجهها منصات التواصل الاجتماعي. فقد حذّر خبراء في أمن المعلومات والإعلام الرقمي من أن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح أفراداً عاديين القدرة على إنشاء هويات مزيفة بالغة الإتقان وشبه مستحيلة الاكتشاف.




