في وقت يشهد فيه العالم سباقاً محموماً نحو المستقبل، تواصل أبوظبي ترسيخ مكانتها كمنصة عالمية لابتكار التقنيات المتقدمة، من الذكاء الاصطناعي إلى الأنظمة الذاتية والتنقل المستقبلي.
وفي هذا الإطار، أجرت منصة “لنا” مقابلة خاصة مع آمنة المرزوقي، للحديث عن الموسم الثاني من دوري أبوظبي للسباقات المستقلة والمسيرة الذي يعكس رؤية الإمارات بأن تكون في مقدمة الدول التي لا تكتفي بمتابعة الثورة التقنية، بل تصنعها وتوجّه مسارها.
كيف جسد دوري أبوظبي للسباقات المستقلة والمسيرة في موسمه الثاني طموح دولة الإمارات لقيادة مجالات التكنولوجيا المتقدمة كالذكاء الاصطناعي والروبوتات والتنقل المستقبلي؟
أظهر الموسم الثاني بوضوح ما تطمح إليه الإمارات، فنحن نسعى لاختبار التكنولوجيا المتقدمة بشكل مفتوح وعلى نطاق واسع، بدلاً من إبقائها خلف أبواب المختبرات. وإن مشاركة أحد عشر فريقاً من عشر دول في حلبة ياس مارينا يمثل دليلاً واضحاً على الثقة التي يوليها المجتمع الدولي لأبوظبي باعتبارها وجهة لدفع حدود الذكاء الاصطناعي والروبوتات.

ويبرز هذا الطموح بشكل خاص في مجال التنقل الذاتي، إذ صمم دوري أبوظبي للسباقات المستقلة والمسيرة لتسريع تطوير أنظمة القيادة الذاتية الآمنة والقابلة للفهم وذات الأداء العالي، عبر وضعها تحت ضغط المنافسة الحقيقية. فالسباق يعمل بمثابة مسرع للأبحاث، إذ يختصر سنوات من التطوير التقليدي في أسابيع من المحاكاة المتقدمة والاختبار والسباقات الحقيقية. وبتشغيل الأنظمة الذاتية في العلن بسرعات فائقة وبمشاركة نخبة من الفرق العالمية، يساهم الدوري في تعزيز خطى الإمارات نحو هدفها بأن تكون مركزاً عالمياً للتنقل المستقبلي.
تضم سيارة EAV-25 جيلاً مطوراً من منظومة القيادة الذاتية، ما أبرز جوانب الأداء التقني التي ظهرت خلال السباق؟
أكثر ما تميزت به السيارة هو مدى ثباتها وثقتها على الحلبة. فقد وفرت بنية دمج المستشعرات الجديدة، التي تعتمد على سبع كاميرات وأربعة رادارات وثلاث وحدات ليدار، بيانات إدراك أوضح وأسرع بكثير. كما ساهمت التطويرات عليها في جعل السيارة أكثر تحملاً للحرارة والاهتزاز وقوى التسارع، وهو ما حافظ على استقرارها في الظروف القاسية. إضافة إلى ذلك، أسهم التصميم الداخلي الجديد لوحدة القيادة الذاتية في رفع مستويات الأمان وتقليص زمن التوقف، مما أتاح للفرق وقتاً أكبر لتطوير خوارزمياتها على المضمار.
ما التقدم الذي لاحظته على الحلبة مقارنة بالموسم الأول؟
في الموسم الماضي، كان الهدف الأساسي إثبات أن السباقات المستقلة ممكنة. أما هذا الموسم، فأثبت أنها ممكنة بكامل قوتها وفي ظل منافسة حقيقية. وشاهدنا في النهائي الكبير ست سيارات تتسابق جنباً إلى جنب بسرعات تجاوزت 250 كيلومتراً في الساعة، في سابقة عالمية للأنظمة ذاتية القيادة. كما تقلص الفارق مع الأداء البشري بصورة لافتة، إذ حقق سائق الفورمولا 1 السابق دانييل كفيات أفضل لفة بزمن 57.57 ثانية، فيما حققت السيارة الذاتية لفريق TUM زمناً بلغ 59.15 ثانية، بفارق 1.58 ثانية فقط. الانتقال من فارق عشر ثوان في الموسم الأول، أو دقائق عندما بدأ دوري أبوظبي للسباقات المستقلة والمسيرة قبل عامين، إلى أجزاء من الثانية اليوم، يعد مؤشراً قوياً على تسارع تطور هذه التكنولوجيا.
كيف أثر برنامج التدريب الافتراضي SIM-Sprint على جودة السباقات وثقة الأداء التي شاهدناها اليوم؟
يعد SIM-Sprint مسابقة مبنية على محاكاة دوري أبوظبي للسباقات المستقلة والمسيرة، وقد أحدث تأثيراً ملموساً على أداء جميع الفرق هذا الموسم. فمن خلال بيئة محاكاة خاصة تم تطويرها للبطولة، استطاعت الفرق العمل على نماذج الذكاء الاصطناعي طوال العام، وتشغيلها عبر ملايين السيناريوهات الدقيقة قبل الوصول إلى الحلبة. وقد نقلت SIM-Sprint هذا التطوير إلى ساحة المنافسة من خلال سلسلة سباقات رقمية متعددة السيارات على أربعة مضامير، وكلها تعمل وفق الإطار ذاته لوكلاء الذكاء الاصطناعي والأنظمة المعمول بها في السباقات الفعلية.
ثم أعقبت تلك السباقات الافتراضية جولات موسعة من الاختبارات على أرض الواقع، حيث قامت الفرق بالتحقق من أداء وكلاء الذكاء الاصطناعي وتحسين الاستراتيجيات المطورة في المحاكاة. وخلال جلسات الاختبار في الخريف على حلبة ياس مارينا وحدها، أتمت الفرق 3,475 لفة وقطعت أكثر من 10,442 كيلومتراً، مولدةً 1.5 بيتابايت من البيانات. وقد بيّن أثر هذا المستوى العميق من التحضير واضحاً يوم السباق، إذ أظهر الذكاء الاصطناعي تجاوزات أكثر ثقة ومنطق تخطيط أقوى وثباتاً أعلى بكثير عبر جميع السيارات.
يشتهر دوري أبوظبي للسباقات المستقلة والمسيرة بنهجه الشفاف في البحث والتطوير. وما اللحظات التي أبرزت قدرة الأنظمة الذاتية على التعلم والتكيف السريع خلال السباق؟
كانت هناك مواقف عديدة خلال الاختبارات والسباق يمكن فيها ملاحظة الذكاء الاصطناعي وهو يعيد ضبط سلوكه فورياً، سواء عند التعامل مع عمليات التجاوز أو التغير المفاجئ في تماسك الإطارات أو حركة غير متوقعة للسيارات أو اختلافات مفاجئة في السرعات. ومن الأمثلة اللافتة مناورة التجاوز المبهرة بين TUM وUNIMORE، حيث اضطر وكيلا الذكاء الاصطناعي إلى التفاعل مباشرة في سباق متلاصق وتعديل المسارات وزوايا المنعطفات بطريقة تتجاوز خطوط السباق المحددة. وتحقق كل ذلك أمام أعين الجميع، وهو بالضبط ما يميز دوري أبوظبي للسباقات المستقلة والمسيرة، وهو إظهار كيفية تعلم الأنظمة الذاتية في بيئة مفتوحة وآمنة، بدلاً من تطويرها بعيداً عن الأنظار.

ما الذي كشفه الموسم الثاني من دوري أبوظبي للسباقات المستقلة والمسيرة بشأن تطور الشراكة بين المهندسين البشر والذكاء الآلي؟
كشف الموسم الثاني بوضوح طبيعة هذه الشراكة، فكل تقدم حققته السيارات على الحلبة كان نتيجة قرارات واتجاهات وضعها مهندسون وخبراء بيانات ومطورو برمجيات. الذكاء الاصطناعي سريع، لكنه يتشكل ويصقل بالكامل عبر الإبداع البشري. وأظهر التحدي بين الإنسان والذكاء الاصطناعي أن الفجوة بين الحدس والخوارزمية تتقلص بسرعة بفعل هذا التعاون. فالعلاقة ليست “إنسان مقابل آلة”، بل الإنسان والآلة يعملان جنباً إلى جنب.
مع انتهاء الموسم الثاني، ماذا نتوقع للمرحلة التالية من تطور الدوري كمنصة عالمية للابتكار في الأنظمة المستقلة؟
ستتمثل المرحلة القادمة في رفع مستوى التحدي وتوسيع نطاق التطبيق، فقد تم تأكيد إقامة الموسم الثالث في أكتوبر أو نوفمبر 2026 في أبوظبي. كما نتطلع إلى مزيد من السباقات متعددة السيارات وفي ظروف ومسارات متنوعة، مما يساعد على بناء بيانات أعمق وأغنى تسهم في تطوير حلول التنقل واللوجستيات والبنية التحتية.




