رغم احتفاظ الذهب بمكانته التاريخية كملاذ آمن في أوقات الاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية، فإن أداء المعدن النفيس خلال الفترة الأخيرة جاء مخالفاً لتوقعات كثير من المستثمرين، بعدما تعرض لضغوط بيعية دفعت أسعاره إلى التراجع، في وقت شهدت فيه أسواق الطاقة تقلبات حادة وارتفعت المخاطر المرتبطة بالتوترات الإقليمية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط.
ويعكس هذا المشهد تعقيد العلاقة بين الذهب وبقية المتغيرات الاقتصادية العالمية، إذ لم تعد التحركات الجيوسياسية وحدها كافية لدفع الأسعار نحو الارتفاع، في ظل تأثير عوامل أخرى مثل سياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وتحركات الدولار، وعائدات السندات، وتوقعات التضخم، إضافة إلى سلوك المستثمرين في الأسواق المالية.
وفي الوقت الذي يراهن فيه بعض المستثمرين على عودة الذهب إلى مسار الصعود خلال النصف الثاني من العام، يرى آخرون أن المعدن الأصفر يمر بمرحلة تصحيح طبيعية بعد المستويات القياسية التي سجلها في الأشهر الماضية، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا التراجع مؤقتاً أم بداية لتحول أوسع في اتجاه السوق.
وفي مقابلة مع منصة لنا، أوضح أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك، أن الضغوط الحالية على الذهب لا ترتبط بعامل واحد، بل هي نتيجة تداخل عدة متغيرات اقتصادية ومالية، تتصدرها قوة الدولار الأمريكي، وارتفاع عائدات السندات، والتوقعات المتعلقة بأسعار الفائدة، فضلاً عن تأثير أسواق النفط والتطورات المرتبطة بمضيق هرمز على توقعات التضخم، وهو ما انعكس على توجهات المستثمرين في سوق المعادن الثمينة.
تقييم التحركات الحالية لأسعار الذهب
قال هانسن إن الذهب لا يزال يمر بمرحلة تصحيح حاد، مدفوعة بشكل أساسي بتصفية المراكز الشرائية وسط مخاوف من ارتفاع تكاليف التمويل (سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية) في أعقاب قفزة أسعار الطاقة. وأضاف أنه رغم التراجع الأخير في معدلات التضخم، فإن هذه التطورات أبقت السوق تحت ضغوط بيع ناجمة عن العوامل الفنية والزخم التنازلي، بدعم من قوة الدولار الأمريكي.
أبرز العوامل العالمية الضاغطة على الذهب
وأوضح هانسن أن أقوى العوامل التي تضغط على أسعار الذهب تتمثل في قوة الدولار الأمريكي، المدعومة بتجدد توقعات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لأسعار الفائدة، إلى جانب عمليات البيع الفنية وتراجع الطلب على الذهب كملاذ آمن مع إعادة تقييم الأسواق للمخاطر في منطقة الشرق الأوسط.
تأثير مضيق هرمز على أسعار الذهب
وحول العلاقة بين التطورات في مضيق هرمز وأسعار الذهب، أشار إلى أن المخاطر المرتبطة بالمضيق أصبحت تشكل عاملاً سلبياً للمعدن الأصفر عبر تأثيرها على معدلات التضخم، إذ يؤدي ارتفاع مخاطر أسواق النفط إلى زيادة توقعات التضخم، وهو ما يعزز بدوره احتمالات تبني الاحتياطي الفيدرالي سياسة نقدية أكثر تشدداً، الأمر الذي يرفع عائدات السندات وقيمة الدولار، ويضغط على الذهب باعتباره أصلاً لا يدر عائداً.
أسباب بيع المستثمرين للذهب
ولفت هانسن إلى أن المستثمرين يقلصون مراكزهم في الذهب بعد تحول الزخم إلى الاتجاه السلبي إثر كسر مستويات فنية رئيسية، بالتزامن مع قوة الدولار والتحول نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وأضاف أن استمرار الأداء القوي للأسهم العالمية ساهم أيضاً في تقليص الحاجة إلى الاحتفاظ بالأصول البديلة في المرحلة الحالية.
لماذا لم يستفد الذهب من ارتفاع النفط؟
وأوضح أن العلاقة بين ارتفاع أسعار النفط وانخفاض أسعار الذهب تعود إلى أن صدمات الطاقة الناتجة عن نقص الإمدادات تختلف عن الأزمات المالية أو صدمات النمو، إذ يؤدي ارتفاع النفط إلى زيادة الضغوط التضخمية، ما يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياساتها النقدية المتشددة، ويعزز قوة الدولار، وهي عوامل تضغط مجتمعة على الذهب. وأضاف أن توقعات رفع أسعار الفائدة طغت خلال الفترة الأخيرة على جاذبية الذهب كملاذ آمن أو أداة للتحوط من التضخم.
توقعات أسعار الذهب
وفيما يتعلق بتوقعاته للفترة المقبلة، قال هانسن إن الذهب قد يواجه تحديات إضافية على المدى القريب طالما بقي الدولار وعائدات السندات والزخم الفني عند مستويات مرتفعة. لكنه أشار إلى أن عمليات التصحيح الأخيرة جعلت مراكز المستثمرين أكثر توازناً، ما قد يحد من عمليات البيع الإضافية. كما توقع إمكانية تعافي الذهب خلال النصف الثاني من العام إذا تراجعت أسعار الطاقة، بما قد يسمح للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة باتباع نبرة أقل تشدداً، مؤكداً أن أي صعود لاحق سيظل مرتبطاً بالمستويات الفنية ومستويات الدعم التي سيستقر عندها الذهب.
الدولار وعائدات السندات
وأشار هانسن إلى أن الضغوط على أسعار الذهب لم تكن نتيجة عامل واحد، وإنما جاءت بفعل تضافر عدة عوامل، من بينها تركز المراكز الشرائية عند مستويات مرتفعة، إلى جانب المتغيرات في أسواق الطاقة التي أثرت في توقعات الدولار وأسعار الفائدة.
تصحيح طبيعي أم بداية دورة هبوط؟
واختتم هانسن بالقول إن ما يشهده الذهب حالياً يبدو أقرب إلى موجة تصحيح طبيعية، وإن كانت أكثر عمقاً، بعد المستويات القياسية التي سجلها، وليس بداية لدورة هبوط هيكلية طويلة. وأضاف أن الدخول في سوق هبوطية ممتدة يتطلب استمرار ارتفاع العائدات الحقيقية، والمحافظة على قوة الدولار، وتراجع مشتريات البنوك المركزية، إضافة إلى استمرار التدفقات الخارجة من صناديق الاستثمار المتداولة.




