تخوض المخرجة التونسية ليلى بوزيد المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي الدولي بفيلمها الجديد «بيت الحس» (In a Whisper)، مؤكدة حضورها كأحد أبرز الأصوات العربية المعاصرة القادرة على تحويل القضايا الحساسة إلى مادة سينمائية مركّبة، تتجاوز الطرح المباشر، وتراهن على الاشتغال الهادئ داخل المساحات الرمادية بين الخاص والعام، وبين العائلة والمجتمع، وبين الصمت والكلام.
الفيلم، الذي تعود فيه بوزيد إلى تونس ومدينة سوسة تحديدًا، لا ينطلق من حدث صاخب، بل من موت غامض يتم التعامل معه ببرود لافت. «دالي»، العمّ الذي يُعثر عليه ميتًا في ظروف غير واضحة، يتحوّل منذ اللحظة الأولى إلى غائب حاضر، جسد مفقود لكن أثره يتضخّم كلما حاولت العائلة دفنه سريعًا، ليس جسديًا فقط، بل معنويًا أيضًا. هنا، لا يصبح الموت نهاية، بل بداية تفكيك منظومة كاملة من الإخفاء والتواطؤ العائلي.
تعود «ليليا» من فرنسا إلى تونس لحضور الجنازة، لكنها تصطدم بعائلة لا تعرفها كما كانت تظن. الأسئلة التي تبدأ حول سبب الوفاة تتحوّل تدريجيًا إلى أسئلة أعمق عن حياة دالي، عن اختياراته، وعن السبب الحقيقي الذي جعل وجوده عبئًا يجب التخلص منه بصمت. رحلة ليليا ليست بوليسية، بل أخلاقية ووجودية، حيث يقودها البحث إلى مواجهة بنية اجتماعية لا تتسامح مع الاختلاف، وتفضّل الإخفاء على الاعتراف.
ليلى بوزيد لا تستخدم الحبكة كوسيلة تشويق تقليدية، بل كأداة حفر بطيء في الذاكرة العائلية. كل معلومة جديدة لا تكشف سرًا بقدر ما تفضح منظومة من الخوف، تبدأ من البيت ولا تنتهي عند حدود القانون أو المجتمع. الموت هنا لا يُدان بقدر ما يُساء فهمه، لأن السؤال الحقيقي ليس: كيف مات دالي؟ بل: لماذا لم يُسمح له أن يعيش كما هو؟
العنوان «بيت الحس» لا يشير فقط إلى المكان، بل إلى الحالة. البيت العائلي الذي تدور داخله معظم أحداث الفيلم ليس فضاءً محايدًا، بل ذاكرة كثيفة الطبقات، محمّلة بالتاريخ والعلاقات غير المحسومة. البيت مستوحى من منزل جدّة المخرجة، وقد تحوّل سينمائيًا إلى مساحة مشحونة، حيث الجدران تحفظ الأسرار أكثر مما تحمي سكانها.
الديكور، توزيع الضوء، حركة الكاميرا داخل الفراغات الضيقة، كلها عناصر تساهم في الإحساس بالاختناق، وكأن الشخصيات تتحرك داخل جسد واحد متعب. البيت لا يسمح بالمواجهة المباشرة، بل يفرض همسًا دائمًا، نظرات مقطوعة، وجُملاً غير مكتملة. إنه بيت يعلّم أفراده كيف يخفون أكثر مما يعبّرون.
تقدّم آية بوترعة شخصية «ليليا» بأداء داخلي هادئ، يعتمد على الكتمان أكثر من الانفعال. ليليا ليست بطلة صدامية، بل شخصية تتشكّل تدريجيًا، وكل خطوة تخطوها نحو الحقيقة تعني فقدان طبقة جديدة من الأمان. وجودها بين فرنسا وتونس يمنحها مسافة، لكنها ليست كافية لحمايتها من الاصطدام بعائلة ترى في الاختلاف تهديدًا مباشرًا لاستقرارها.
في المقابل، تحضر شخصية الأم «وحيدة»، التي تؤديها هيام عباس، كعمود أخلاقي صلب داخل البيت. امرأة قوية، منظمة، صارمة، لكنها أيضًا أسيرة منظومة ترى في السيطرة وسيلة للحفاظ على العائلة. أداء عباس يبتعد عن الكليشيه، ويقدّم شخصية لا تُدان بسهولة، لأنها تمثل منطقًا اجتماعيًا راسخًا، لا شريرًا فرديًا، أما الشخصيات الثانوية، من الأخوات إلى الأقارب، لا تُستخدم كخلفية، بل كامتدادات لهذه المنظومة، حيث يبدو الجميع متواطئًا بالصمت، حتى حين يكونون ضحايا له.
بصريًا، يعتمد الفيلم على تدرّج واضح من العتمة إلى الضوء. في بدايته، يسود الظل داخل البيت، ومع تقدّم السرد، تبدأ النوافذ بالانفتاح، وتزداد الإضاءة الطبيعية، في انعكاس مباشر لمسار البطلة نحو الاعتراف، في تحول درامي، يوازي انتقال الشخصيات من الكتمان إلى المواجهة، أما الموسيقى، التي تعتمد على الكلارينيت الشرقي، لا تفرض نفسها، بل تعمل كهمس مرافق، يملأ الفراغات الصامتة ويمنح المشاهد مساحة للتأمل. الصوت هنا جزء من البناء النفسي، لا عنصرًا خارجياً.




