يشهد سوق العقارات في دبي تحولاً متسارعاً، مدفوعاً بتغير خريطة الاستثمار العالمية وتزايد اهتمام المستثمرين بالأسواق التي تجمع بين الاستقرار والقدرة على تحقيق النمو. ومع اتساع قاعدة المشترين وتنوع احتياجاتهم، أصبح القطاع أمام مرحلة تتطلب قدراً أكبر من الانتقائية، سواء في اختيار الأصول أو المواقع أو طبيعة الاستثمار.
وفي الوقت نفسه، تتغير ملامح الطلب العقاري مع انتقال شريحة متزايدة من المستثمرين من التركيز على المكاسب السريعة إلى البحث عن القيمة طويلة الأجل، وجودة الأصول، والسيولة، والعوائد المستدامة. كما باتت عوامل مثل البنية التحتية، ونمط الحياة، والبيئة التنظيمية، والقدرة على جذب السكان والمستخدمين النهائيين، عناصر أساسية في تحديد جاذبية الأسواق العقارية.
وتتزامن هذه التحولات مع دخول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بصورة أعمق إلى القطاع، بما يعيد تشكيل طريقة تسويق العقارات وبيعها وإدارة الأصول والتعامل مع العملاء. وفي ظل استمرار المنافسة بين المراكز العقارية العالمية، تتجه الأنظار إلى قدرة دبي على ترسيخ موقعها كوجهة رئيسية للثروات والاستثمارات العقارية الدولية، مع انتقال السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً وتطوراً.
وفي مقابلة خاصة مع منصة «لنا»، يستعرض هاري مارتن، رئيس قسم المبيعات على الخارطة وأسواق رأس المال في «بيتر هومز» (Betterhomes) رؤيته حول أداء سوق العقارات في دبي خلال عام 2026، وتأثير التوترات الجيوسياسية على ثقة المستثمرين وقرارات الشراء، إلى جانب دور السياسات الحكومية في تعزيز جاذبية السوق، والجنسيات الأكثر نشاطاً في القطاع، والمناطق التي تستقطب الطلب على العقارات الفاخرة، فضلاً عن مستقبل السوق ودور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل القطاع.

أوضح أن حالة عدم اليقين الجيوسياسي عززت مكانة دبي بدلاً من تقويضها، مشيراً إلى أنه عندما تتصاعد حدة التوتر في أماكن أخرى من المنطقة، تتدفق رؤوس الأموال إلى هنا، وليس بعيداً عنها. وأضاف: “لقد شهدنا هذا النمط مراراً على مدى العقد الماضي، وعام 2026 ليس مختلفاً. لا تزال أحجام المعاملات قوية، وتواصل الأسعار في المواقع الرئيسية الارتفاع، ولم تتباطأ وتيرة الطلب الجديد. ينظر المستثمرون إلى دبي ويرون الحياد السياسي، وسيادة القانون، وحكومة أثبتت قدرتها على إدارة مدينة خلال فترات الاضطرابات. وهذا عامل جذب قوي للغاية في الوقت الحالي. والفرق الملحوظ، في اعتقادي، تمثل بدرجة أكبر في أن المستثمرين أصبحوا أكثر انتقائية، ويختارون جودة البناء والمواقع الموثوقة بدلاً من وجود تراجع واضح عن السوق نفسه.”.
وفي حديثه عن دور السياسات الحكومية والمبادرات الأخيرة في تعزيز ثقة المستثمرين، لا سيما في سوق العقارات الفاخرة، أكد أن “لا شك أن الدور الحكومي كان محورياً في هذا السياق، أشعر أن إدخالها القائم بالفعل لتأشيرات الإقامة طويلة الأمد، وبرنامج الإقامة الذهبية، والتحرير المستمر لقواعد الملكية، قد غيّر بشكل جوهري حسابات المستثمرين الدوليين على أي حال..
لم تعد تشتري عقاراً فحسب، بل تشتري نمط حياة ومساراً للإقامة. وإلى جانب ذلك، البيئة المالية: لا ضريبة على الدخل، ولا ضريبة على أرباح رأس المال، ولا ضريبة على الميراث، وبالنسبة لشخص من ذوي الملاءة المالية العالية يقيّم الخيارات العالمية، فإن هذا السوق منطقي للغاية. ساعدت المبادرات الأخيرة في تعزيز ثقة المستثمرين، فيما يتعلق بإطار العمل/الإفراج عن حسابات الضمان، وحتى صندوق السياحة لقطاع الضيافة، وهو ما يظهر كيف يمكن لحكومة سريعة التفكير أن تتحرك لضمان الثقة.”.
وحول الجنسيات الأكثر نشاطاً حالياً في شراء العقارات الفاخرة في دبي، والتغيرات التي طرأت على طبيعة المستثمرين خلال السنوات القليلة الماضية، أشار إلى أن طبيعة المستثمرين تغيرت بشكل ملحوظ، قائلاً: “لقد تغيرت طبيعة المستثمرين بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية. أصبح المشترون الأوروبيون، ولا سيما من المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا، أكثر حضوراً بكثير، مدفوعين جزئياً بالتغييرات الضريبية في أسواقهم المحلية، وجزئياً بإعادة تقييم حقيقية لنمط الحياة بعد الجائحة. كما شهدنا استمرار الطلب القوي من المشترين الروس ومشتري دول رابطة الدول المستقلة، والأفراد الهنود ذوي الملاءة المالية الفائقة، وبشكل متزايد، المشترين من شرق وجنوب شرق آسيا. وما يلفت النظر هو كيف تطورت الدوافع: في السابق كان الدافع في الغالب استثمارياً. أما الآن فنشهد عدداً أكبر بكثير من المستخدمين النهائيين، أي أشخاص يعتزمون بالفعل العيش هنا، وتربية أسرهم هنا، وبناء حياتهم هنا. وهذا يمثل قاعدة طلب أكثر نضجاً واستقراراً.”.
وفيما يتعلق بالمناطق التي تستقطب أقوى طلب على العقارات الفاخرة في دبي، والعوامل التي تجعلها جذابة للمستثمرين من ذوي الملاءة المالية العالية، أوضح أن نخلة جميرا لا تزال تحافظ على مكانتها، إلى جانب مجموعة من المناطق والتطويرات الجديدة، وقال: “لا تزال نخلة جميرا أيقونية وتفرض علاوة سعرية لا تبدو عليها أي علامات للتراجع، فمساحتها محدودة، وهذا أمر مهم. لكننا نشهد أيضاً طلباً قوياً للغاية في دبي هيلز، وتلال الإمارات، والتطويرات الجديدة المطلة على الواجهة البحرية على طول ساحل جميرا. وقد أصبحت مدينة محمد بن راشد وجهة ناضجة للعقارات الفاخرة. ما يريده المشترون من ذوي الملاءة المالية العالية باستمرار هو الخصوصية، والقرب من المدارس الجيدة، والوصول إلى البحر أو المساحات الخضراء، ويفضل أن تكون جميعها معاً. والمناطق التي توفر كل هذه العوامل هي التي تتفوق في الأداء. وأعتقد شخصياً أنه من منظور استثماري، فإن المشاريع/المواقع المحيطة بالتغييرات المرتقبة في روابط النقل، فإن تأثيرها على المناطق التي خضعت لعمليات تجديد مماثلة في الأسواق الغربية شهد أرقاماً أعلى بكثير من حيث ارتفاع قيمة رأس المال مقارنة بالمناطق المجاورة. وأعتقد أن الأمر سيكون كذلك في دولة الإمارات.”

وبالنسبة إلى أهم العوامل التي ينبغي على المستثمر أخذها في الاعتبار عند اختيار الموقع المناسب، شدد على أهمية الأساسيات، موضحاً: “ثلاثة أمور، بالترتيب: الأساسيات، الأساسيات، الأساسيات. ما عائد الإيجار مقارنة بسعر الشراء؟ وما مستوى السيولة في ذلك السوق الفرعي، أي مدى سرعة قدرتك على التخارج إذا احتجت إلى ذلك؟ وما هي الخطة الرئيسية المحيطة بالأصل، هل تتحسن البنية التحتية، أم أن المنطقة مكتملة البناء بالفعل؟ وبالإضافة إلى ذلك، سأخبر أي شخص بأن يشتري في موقع يرغب فعلياً في العيش فيه. دبي تكافئ القناعة. المستثمرون الذين حققوا أفضل النتائج هنا هم أولئك الذين فهموا ما الذي ستصبح عليه المدينة، وليس فقط ما كانت عليه.”.
وفي المقارنة بين العقارات الفاخرة والعقارات السكنية المتوسطة من حيث الفرص الاستثمارية والعوائد والقيمة طويلة الأجل، أوضح أن الخيارين يخدمان أهدافاً استثمارية مختلفة، وقال: “الأمر ليس إما هذا أو ذاك. فهما يخدمان أهدافاً استثمارية مختلفة. فقد حققت الأصول الفاخرة، ولا سيما المساكن ذات العلامات التجارية والعقارات المطلة على الواجهة البحرية، ارتفاعاً استثنائياً في قيمة رأس المال، وهذه القصة لم تنتهِ بعد. لكن القطاع المتوسط هو المكان الذي تكون فيه قصة العائد أكثر إقناعاً في الوقت الحالي. فالطلب من جانب شريحة المهنيين المتنامية في دبي قوي ومستمر، ولا تزال عوائد الإيجارات في القطاع المتوسط تتفوق على ما قد تراه في مدن عالمية مماثلة. إذا كنت تبني محفظة استثمارية، فأنت تريد كليهما. وإذا كنت تقوم باستثمار واحد وتركز على الدخل، فمن الصعب تجاهل القطاع المتوسط طالما أنك تدرك حجم المعروض المرتقب في بعض القطاعات الفرعية من السوق، والذي سيؤثر، في رأيي، على معدلات استيعاب الإيجارات على المدى القصير.”.
وحول مدى استدامة الطلب الحالي على العقارات الفاخرة في دبي وإمكانية استمرار الزخم خلال السنوات المقبلة، أكد تفاؤله بمستقبل السوق، قائلاً: “أنا متفائل حقاً، وأنا لا أقول ذلك باعتباره موقفاً تلقائياً للقطاع. فالطلب الذي نشهده يختلف هيكلياً عن الدورات السابقة. إنه ليس مضاربياً، بل مدفوع بمستخدمين فعليين، وانتقال حقيقي للثروات، ومدينة تواصل تحسين عروضها. سكان دبي يتزايدون، وبنيتها التحتية عالمية المستوى، وحكومتها تواصل الابتكار. وطالما بقيت هذه الأساسيات قائمة، ولا أرى سبباً لعدم استمرارها، سيظل الطلب على العقارات عالية الجودة قوياً. ومع ذلك، يحتاج السوق إلى الانضباط فيما يتعلق بالمعروض. ففائض المعروض يمثل دائماً مخاطرة في مدينة تبني بهذه الوتيرة.”.
وفيما يتعلق بالتحدي الذي يواجه المطورين مع استمرار دخول مشاريع جديدة إلى السوق، والمتمثل في تحقيق التوازن بين زيادة المعروض والحفاظ على استقرار الأسعار وتقديم مشاريع عالية الجودة، قال إن ذلك يمثل التحدي الرئيسي للسنوات الخمس المقبلة: “هذا هو التحدي الرئيسي للسنوات الخمس المقبلة. فقد أضافت دبي معروضاً هائلاً، وهناك المزيد في الطريق. المطورون الذين سيزدهرون هم أولئك الذين يرفضون التنازل عن الجودة والذين يبنون للمستخدم النهائي الفعلي، وليس فقط للمستثمر في العقارات على الخارطة. لقد شهدنا الكثير من المشاريع التي لا يتوافق فيها التسليم مع الوعود، وهذا يضر بالسوق بأكمله. ما أود رؤيته هو مزيد من ضبط النفس من جانب المطورين الذين يسعون وراء أحجام مبيعات العقارات على الخارطة، ومزيد من التركيز على تسليم ما تم بيعه. السمعة أصل من الأصول في هذا السوق، وتتراكم قيمتها بمرور الوقت.”.

وبشأن مستقبل قطاع العقارات الفاخرة في دبي، وما إذا كان السوق لا يزال يمتلك مجالاً كبيراً للنمو أو بدأ في النضج والاستقرار، رأى أن السوق يتجه نحو مرحلة أكثر نضجاً دون أن يصل إلى التشبع، موضحاً: “إنه ينضج، لكنه لا يصل إلى مرحلة التشبع، وهناك فرق مهم بين الأمرين. السوق الناضج هو سوق يتمتع بسيولة أعمق، ومشترين أكثر تطوراً، وأسعار أكثر موثوقية. وهذا هو الاتجاه الذي تسلكه دبي، وهو أمر صحي. لا يزال هناك بالتأكيد مجال للنمو، لا سيما مع انتقال المزيد من الثروات الدولية إلى هنا بشكل دائم. لكن أيام شراء أي شيء ومشاهدته يتضاعف سعره قد انتهت. المرحلة المقبلة تكافئ المعرفة والانتقائية والصبر. وهذا يناسب المستثمرين الجادين تماماً، كما أنها تفتح المجال أمام أسواق عالمية جديدة، وهو ما رأيته شخصياً على مر السنين في أسواق أخرى ناضجة.”.
وفي حديثه عن دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تحويل قطاع العقارات، من مبيعات وتسويق العقارات إلى إدارة الأصول وخدمة العملاء، أكد أن التحول بدأ بالفعل، قائلاً: “إنه يحدث تحولاً بالفعل، رغم أن جزءاً كبيراً من القطاع لم يواكب ذلك بالكامل بعد. الذكاء الاصطناعي يغير طريقة مطابقة المشترين بالعقارات، وطريقة تسعير الأصول، وطريقة إدارة المحافظ على نطاق واسع. وأصبحت رحلة العميل رقمية بالدرجة الأولى بشكل متزايد، والوكالات التي تتبنى ذلك تكتسب ميزة تنافسية حقيقية. وما أجده الأكثر إثارة هو إمكانات الذكاء الاصطناعي في إدارة الأصول، مثل الصيانة التنبؤية، وتحسين عوائد الإيجارات بشكل ديناميكي، وتخصيص تجربة العميل بطرق لم تكن ممكنة حتى قبل ثلاث سنوات. والشركات التي تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها أولوية استراتيجية، وليس بنداً في مجال تكنولوجيا المعلومات، هي التي ستحدد الفصل المقبل من هذه الصناعة.”.
وعند مقارنته بين لندن ودبي كوجهتين للاستثمار العقاري، أشار إلى أن لندن لا تزال مدينة مهمة، لكنه يرى أن مجموعة من العوامل أضعفت جاذبيتها الاستثمارية، موضحاً: “لا تزال لندن مدينة رائعة، لنكن واضحين بشأن ذلك. لكنها جعلت الاستثمار فيها أكثر صعوبة تدريجياً. فقد أدت زيادات رسوم الدمغة، وإلغاء الوضع الضريبي لغير المقيمين، وقيود التخطيط التي تخنق المعروض الجديد، وعدم اليقين السياسي، جميعها إلى تقويض قدرتها التنافسية. وفي الوقت نفسه، تحركت دبي في الاتجاه المعاكس تماماً، من خلال تقليل التعقيدات، وخفض التكاليف، واستقطاب رؤوس الأموال الدولية بشكل نشط. والتباين لا يمكن أن يكون أكثر وضوحاً. عندما يمكنك شراء عقار عالمي المستوى في بيئة خالية من الضرائب مع إرفاق تأشيرة إقامة به، مقابل التعامل مع فاتورة ضريبة أراضي الدمغة البالغة 12% في ولاية قضائية ذات ضرائب مرتفعة، فقد أصبح القرار بالنسبة إلى العديد من المستثمرين واضحاً.”.
واختتم حديثه بالكشف عن اختياره الشخصي بين دبي ولندن في حال قرر الاستثمار العقاري اليوم، مؤكداً أنه سيختار دبي دون تردد، وقال: “دبي، دون تردد. وأقول ذلك باعتباري شخصاً يعرف لندن جيداً ويحترمها كسوق. لكن قصة النمو في دبي مقنعة بطريقة لا تتوافر في لندن في الوقت الحالي. التركيبة السكانية تصب في مصلحة دبي، والبيئة السياسية مستقرة، والبيئة المالية جذابة بشكل فريد، وأعتقد بصدق أننا لا نزال في الفصول الأولى من تطور هذه المدينة كمركز عالمي للمال ونمط الحياة. لندن سوق ناضجة ذات عوائد الأسواق الناضجة. أما دبي فلا تزال تتمتع بإمكانات لمفاجأتك. وبالنسبة إلى مستثمر لديه أفق زمني من خمس إلى عشر سنوات، فإن هذا التفاوت من الصعب جداً التخلي عنه. وقد نظرت شخصياً إلى لندن مؤخراً، نظراً للانخفاضات الحادة في الأسعار مقارنة بسعر الشراء الأصلي، لكن بيئتها المالية عند الدخول صعبة للغاية بالنسبة إلى مالك عقار فردي، حتى مع وجود بيئة إيجارية قوية ومعروض مقيد.”.




