أعلن فريق من علماء الحفريات في إسبانيا عن اكتشاف مجموعة من بيض الديناصورات المتحجرة يعود عمرها إلى نحو 72 مليون سنة، في موقع رسوبي يعود إلى أواخر العصر الطباشيري، أي قبل انقراض الديناصورات بعدة ملايين من السنين فقط. يُظهر الاكتشاف وجود عدة بيضات في منطقة واحدة، بعضها في حالة حفظ جيدة تسمح بدراسة شكل القشرة وتركيبها وسمكها، ما يشير إلى أننا أمام بقايا «عش» أو أكثر، وليس بيضة مفردة سقطت بالصدفة في هذا المكان. ويرى الباحثون أن هذه الأعشاش المتحجرة تمثل نافذة نادرة على حياة الديناصورات في لحظاتها الأخيرة على كوكب الأرض، قبل الحدث الكارثي الذي أدى إلى اختفائها.
كيف حدد العلماء عمر البيوض بدقة؟

يعتمد تحديد عمر بيض الديناصورات على الجمع بين أكثر من تقنية، أبرزها التأريخ الإشعاعي للصخور الرسوبية المحيطة ومقارنة الطبقات الجيولوجية (الاستراتيغرافيا) بمواقع أخرى معروفة التاريخ. في حالة الاكتشاف الأخير في إسبانيا، تمكن العلماء من ربط الطبقة التي تحتوي على البيض بمرحلة متأخرة من العصر الطباشيري، قُدّرت بحوالي 72 مليون سنة. هذا العمر يضع البيوض ضمن الفترة نفسها التي توثّقها اكتشافات أخرى لأجنة ديناصورات داخل بيض في الصين، تراوحت أعمارها بين 66 و72 مليون سنة، ما يعزز الثقة في التسلسل الزمني الذي يضع هذه البيوض في السنوات الأخيرة من عهد الديناصورات.
ما الذي يكشفه الاكتشاف عن سلوك الديناصورات؟
وجود عدة بيضات في المكان نفسه، مع تشابه في الحجم والشكل، يدعم فرضية أن بعض أنواع الديناصورات كانت تعشّش في مجموعات وتعود للموقع ذاته في مواسم مختلفة، بطريقة تشبه ما تفعله كثير من الطيور اليوم. تشير دراسات سابقة لجنين ديناصور محفوظ داخل بيضة متحجرة في الصين إلى أن وضعية الجنين داخل البيضة تشبه وضعية أجنة الطيور المعاصرة، ما يفتح الباب أمام فهم أوضح للعلاقة التطورية بين الديناصورات والطيور. كما تسمح هذه البيوض بدراسة سماكة القشرة وتركيبها المعدني، وبالتالي تقدير درجة الحرارة والرطوبة التي كانت تحتاجها الأجنة، وطبيعة البيئة التي احتضنت هذه الأعشاش قبل ملايين السنين.
أهمية الأجنة المحفوظة داخل البيض
في بعض الحالات، لا يكون الاكتشاف مجرد قشرة بيضة فارغة، بل تحتوي البيضة على بقايا جنين محفوظ بشكل استثنائي، كما حدث في اكتشاف «جنين ديناصور» داخل بيضة عمرها نحو 70–72 مليون سنة وُصفت عام 2021. هذه الأجنة تكشف تفاصيل دقيقة عن شكل الهيكل العظمي، ووضعية الرأس والأطراف، وتطور الأعضاء في مراحل مختلفة من النمو، وهو ما لا يمكن الحصول عليه من هياكل عظمية منفصلة بعد الفقس. وجود أجنة محفوظة في بيض من فترات قريبة من الانقراض يعطي العلماء فرصة لدراسة ما إذا كانت هناك تغيرات في معدلات النمو أو نجاح التفريخ في المراحل الأخيرة من حياة الديناصورات على الكوكب.
ماذا يخبرنا الاكتشاف عن بيئة الأرض القديمة؟
لا تقتصر قيمة هذه البيوض على ما تكشفه عن الديناصورات وحدها، بل تمتد لتشمل فهم بيئة الأرض والمناخ في تلك الحقبة. تركيب القشرة الكيميائي ودرجة تآكلها، مع نوع الرواسب المحيطة، يساعدان في رسم صورة عن درجات الحرارة ومستوى الرطوبة وحتى طبيعة النباتات التي كانت تغطي المنطقة. أظهرت دراسات على بيض ديناصورات قديم في مناطق أخرى أن تحليل نظائر الأكسجين في القشرة يمكن أن يكشف عن درجات الحرارة السائدة، ما يعطي مؤشرات على المناخ قبل الانقراض. بذلك تتحول البيضة المتحجرة إلى «سجل مناخي مصغر» يوثق حالة النظام البيئي قبل عشرات الملايين من السنين.
لماذا يعد الاكتشاف خطوة كبيرة لعلم الحفريات؟
يرى علماء الحفريات أن اكتشاف بيض ديناصورات محفوظ من فترة 66–72 مليون سنة يعد بمثابة قطعة ناقصة في أحجية فهم الأيام الأخيرة لهذه الكائنات. فكل بيضة، وكل جنين محفوظ، يزيد من دقة النماذج التي تشرح كيف كانت الديناصورات تتكاثر، ومتى تفقس، وما نسب بقاء الصغار حتى البلوغ، وهي عوامل أساسية في تقدير قدرة أي نوع على الصمود أمام التغيرات البيئية. كما تدعم هذه الاكتشافات الفكرة القائلة إن الطيور هي الوريث التطوري المباشر لبعض مجموعات الديناصورات، وأن دراسة البيض هي أحد أهم جسور الربط بين الماضي السحيق والعالم الطبيعي الذي نراه اليوم.
ماذا بعد هذا الاكتشاف؟
الخطوة التالية للعلماء تتمثل في إجراء تحاليل مجهرية وكيميائية مفصّلة لقشور هذه البيوض، ومحاولة استخراج أكبر قدر ممكن من المعلومات من أي بقايا نسيجية داخلها باستخدام تقنيات تصوير متقدمة مثل الأشعة المقطعية ثلاثية الأبعاد. من المنتظر أيضًا مقارنة هذه البيوض باكتشافات أخرى في أمريكا الجنوبية وآسيا لتحديد ما إذا كانت نوعًا جديدًا من الديناصورات أو تنتمي لأنواع معروفة. ومع تراكم هذه البيانات، يمكن لمجتمع العلماء أن يرسم صورة أكثر وضوحًا عن كيفية عيش الديناصورات وموتها، وكيف تغيّر كوكبنا منذ ذلك الحين.




