قبل سنوات، كانت فكرة أن تركب سيارة أجرة بلا سائق تبدو أقرب لأفلام الخيال العلمي منها للواقع اليومي في مدننا. اليوم، في بعض مناطق الإمارات، أصبح «التاكسي ذاتي القيادة» خيارًا حقيقيًا أمام الركاب، ويمكنك أن تطلبه من هاتفك كما تطلب أي سيارة أجرة عادية. هذه التجربة لا تغيّر فقط طريقة تنقلنا، بل تغيّر أيضًا نظرتنا للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ودوره في حياتنا اليومية.
من متابعة الأخبار إلى قرار التجربة
سمعت للمرة الأولى عن التاكسي ذاتي القيادة من خلال مقاطع مصوّرة وتقارير محلية تتحدث عن إطلاق الخدمة في مناطق محددة داخل الدولة، مع تأكيد كبير على معايير السلامة العالية والاختبارات المكثفة التي سبقت تشغيلها. ومع انتشار الحديث عن هذه المركبات الذكية، تحوّل الفضول إلى رغبة حقيقية في أن أكون جزءًا من التجربة، وأن أرى بنفسي كيف يمكن للسيارة أن تتحرك، وتنعطف، وتتوقف، وتلتزم بالقوانين… دون وجود سائق خلف المقود.
اخترت يوم عطلة، وقررت حجز رحلة قصيرة داخل نطاق عمل الخدمة، حتى أختبر كل التفاصيل دون استعجال. ما إن فتحت التطبيق المخصص حتى ظهرت لي أيقونة «مركبة ذاتية القيادة»، مع توضيح أن السيارة ستصل إلى نقطة محددة، وأن عليّ أن أكون حاضرًا في الوقت المحدد تمامًا.
من لحظة الحجز حتى وصول المركبة
تبدأ التجربة فعليًا من لحظة الحجز؛ فالتطبيق يوضح لك بوضوح أن هذه المركبة ذاتية القيادة، ويعرض مجموعة من الإرشادات السريعة عن طريقة الركوب، وآلية فتح الأبواب، والتواصل في حال وجود مشكلة. بعد تأكيد موقع الانطلاق والوجهة، ظهرت لي على الخريطة أيقونة السيارة وهي تتحرك في اتجاهي، مع عدّ تنازلي لوقت الوصول، تمامًا كما يحدث في خدمات النقل التقليدية.
عندما وصلت المركبة إلى النقطة المحددة، لفتني أولًا تصميمها الخارجي المزود بعدد من الحساسات والكاميرات على السقف وحول الهيكل، وهي العناصر التي تمكّن السيارة من قراءة الطريق ومراقبة محيطها. على جانب الباب، كان هناك كود يمكن مسحه لفتح السيارة، إضافة إلى إمكانية فتحها مباشرة عبر التطبيق. ما إن صعدت وأغلقت الباب، حتى ظهرت على الشاشة الداخلية رسالة ترحيب، تطلب مني التأكد من الوجهة قبل بدء الرحلة.
داخل التاكسي.. مقاعد مريحة وشاشات ذكية
من الداخل، تبدو المركبة قريبة جدًا من سيارة أجرة حديثة، لكن الفرق الأبرز هو غياب السائق. في مقدمة السيارة توجد شاشة كبيرة تعرض الخريطة، وسرعة المركبة، والشارع الذي تسير فيه، إضافة إلى مؤشرات لحالة القيادة الذاتية. يمكنك من خلال الشاشة أو عبر التطبيق إلغاء الرحلة أو تغيير الوجهة ضمن شروط محددة، كما يمكنك التواصل مع مركز المراقبة أو الدعم في حال شعرت بأي قلق أو رغبت في الاستفسار.
أثناء الحركة، تلاحظ أن السيارة تلتزم بشكل دقيق بالسرعات المحددة، وتتوقف بسلاسة عند الإشارات، وتترك مسافة أمان مريحة بينها وبين المركبات الأخرى. في بعض اللحظات، قد تشعر أن السيارة حذرة أكثر من اللازم، خصوصًا عند المنعطفات أو المناطق المزدحمة، لكنها حذر مبرَّر عندما تتذكر أن السلامة هي الأولوية الأولى في مثل هذه التجارب.
بين الحماس والقلق.. كيف تشعر فعليًا؟
الشعور الأول الذي يرافقك في الدقائق الأولى هو مزيج من الحماس والدهشة؛ فأنت تتحرك داخل مدينة مزدحمة وأمامك مقود فارغ، ومع ذلك تسير الأمور بسلاسة. بعد دقائق، يتحوّل هذا الإحساس تدريجيًا إلى نوع من الاعتياد، خصوصًا عندما ترى كيف تتصرف المركبة في المواقف اليومية: تجاوز مطبات الطريق، التوقف لمركبة تعبر من شارع فرعي، أو ترك مسافة لمشاة يقتربون من الممر.
مع ذلك، لا يخلو الأمر من بعض القلق المشروع؛ أي توقف مفاجئ أو حركة حذرة أكثر من اللازم قد يجعلك تتساءل: «ماذا لو حدث موقف طارئ؟». هنا يظهر دور التصميم الذكي للتجربة؛ فوجود زر للطوارئ، وإمكانية الاتصال بالدعم مباشرة، وإشعارات واضحة على الشاشة حول ما تفعله السيارة ولماذا تتوقف أو تبطئ، كلها عناصر تساعد على طمأنة الراكب وتعزيز ثقته بالنظام.
مستقبل التنقل في الإمارات.. إلى أين؟
عند نهاية الرحلة، وجدت نفسي أفكر في ما هو أبعد من مشوار قصير. إذا كانت هذه هي المرحلة الأولى من التاكسي ذاتي القيادة، فماذا يمكن أن نرى خلال السنوات المقبلة؟ من المرجح أن تتوسع الخدمة تدريجيًا لتغطي مناطق أكثر، ومع تحسن تقنيات الذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات، ستصبح المركبات أكثر انسيابية وسلاسة في التعامل مع الحالات المعقّدة على الطرق.
بالنسبة للإمارات، التي تتبنى مبكرًا حلول المدن الذكية والمواصلات المستقبلية، يمثل التاكسي ذاتي القيادة خطوة جديدة نحو منظومة نقل أكثر كفاءة واستدامة، تقلل الازدحام والانبعاثات، وتوفر خيارات متنوعة للركاب. أما بالنسبة للراكب العادي، فالتجربة اليوم قد تبدو غريبة أو غير مألوفة، لكنها مع الوقت قد تصبح جزءًا طبيعيًا من حياة المدينة، كما تعوّدنا سابقًا على تطبيقات حجز السيارات بعد أن كنّا نستغربها في بداياتها.
في النهاية، إذا لم تجرّب بعد التاكسي ذاتي القيادة في الإمارات، فقد حان الوقت لتجعلها ضمن قائمة تجاربك القادمة؛ رحلة واحدة قد تكون كافية لتغيّر طريقة نظرتك لمستقبل النقل بالكامل.




