ثمة سؤال يُطرح على محمد العبار كثيراً، وهو يجيب عنه من دون تردد، يقولون إن أسلوبه في الإدارة “وايد شديد”، ويردّ بهدوء الواثق من نفسه: “إي نعم، أنا شديد.” لكن هذه الإجابة ليست اعترافاً بعيب، بل هي شرح لفلسفة تشكّلت على مدى عقود، وأفرزت رجلاً بنى برجاً لامس السحاب حرفياً وشركة باتت مبيعاتها تتجاوز ثمانين مليار درهم في السنة.
العبار لا يتحدث عن الشدة كأسلوب اختاره بإرادته، بل كدرس تلقّاه في مطلع مسيرته حين كان موظفاً يتعلم الحياة المهنية من الصفر. كان مديره في تلك المرحلة رجلاً اسمه سالم درويش، ويصفه العبار بعبارة واحدة لا تحتاج إلى تعليق: “عذاب ماله أول من آخر في العمل.” لكنه مع ذلك يذكره بامتنان، لأن تلك الشدة المبكرة هي التي صنعت منه ما هو عليه اليوم. والقصة ذاتها يرويها بعدسة مختلفة حين يتذكر ما حدّثه به عمّه حسين الفردان في الدوحة، قال له إنه اشتغل في بنك وكان مديره إنجليزياً شديداً، “غربله غربال”، لكن تلك الشدة هي التي علّمته الكثير، “وكانت زينة له.”
هذه النظرة إلى الضغط والتحدي بوصفهما أدوات تكوين لا عقاب، هي جوهر ما يؤمن به العبار. يرى أن الإنسان لا يكتشف ما فيه إلا حين يُضغط عليه، وأن المؤسسات التي تتساهل مع الأخطاء وتتغاضى عن الانفلات هي مؤسسات تحتضر ببطء حتى وإن بدت بخير. ويستشهد دائماً بمثل الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فهو في نظره “رجل ملتزم وشديد، الشدة في العمل أساسية.” لكنه يُضيف على الفور بأن هذه الشدة لا تعني قسوة الروح، فالشيخ محمد “كذلك معاها احترام للإنسان.”
هنا يكمن التمييز الدقيق الذي يحرص العبار على الإيضاح عنه في كل مرة يُسأل عن أسلوبه القيادي. الشدة عنده ليست تسلطاً ولا إذلالاً، بل هي توقع واضح للأداء مصحوب باحترام حقيقي للإنسان الذي يؤدّيه. يقول: “الناس تشوفني ريال شديد، لكن أنا أدور اللي يتحمل، لأن هذا هو اللي بيشيلني.” وهو يضع في مقابل هذا الطلب المطالبة بالتحمل حزمة من الالتزامات تجاه من يعمل معه: “عندي احترام للناس وتقدير وحوافز ورواتب.” ومن يقدر على الاستمرار يبقى ويُكرَّم، ومن لا يقدر “يدور له شيء ثاني.”
لكن ما الذي يجعل هذه الفلسفة ضرورة لا خياراً؟ العبار يجيب بسؤال مضاد: “مبيعاتنا 80 مليار في السنة، شغل أطفال تفتكر هذا؟ إذا ما فيه انضباط في عملك ما تمشي مؤسسة.” هذا الرقم الضخم ليس مجرد إنجاز يُستشهد به في العروض التقديمية، بل هو حجة على الطاولة تقول إن الكيان الضخم لا يُدار بالتراخي. إعمار التي رسّخت معالم دبي العمرانية وبنت برج خليفة وأسّست دبي مول لا تسير بلا انضباط من الداخل، بل يصف العبار ثقافة عمله بعبارة لا تقبل اللبس: “نظامنا أشد من الجيش.
وربما تكمن عظمة هذه الفلسفة في أنها لم تأتِ من كتاب في الإدارة أو نظرية أكاديمية، بل جاءت من طريق أكثر قسوة وأكثر صدقاً، طريق سالم درويش الذي لم يرحم في يوم من الأيام، ومن قصص رجال مثل عمّه الفردان الذي خرج من الغربال أقوى مما دخله. الدرس في النهاية واحد، الشدة حين تقترن بالاحترام ليست ظلماً، بل هي أقصر طريق يعرفه العبار لصناعة قادة يستحقون أن يُثق بهم.




