أعلنت مؤسسة الإمارات للدواء عن تطوير أول مرشح دوائي يتم اكتشافه وتطويره بالكامل داخل الدولة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، في إنجاز علمي جديد يعزز مكانة الإمارات مركزًا إقليميًا وعالميًا في صناعة الأدوية المبتكرة. ويحمل هذا المنتج البحثي بصمة «صُنع في أبوظبي»، ويستهدف الأورام السرطانية الصلبة، خصوصًا الأورام الدماغية، ضمن توجه استراتيجي لتسخير التقنيات المتقدمة في خدمة قطاع الصحة والأمن الدوائي.
مرشح دوائي محلي بذكاء اصطناعي كامل
أوضحت مؤسسة الإمارات للدواء أن المرشح الدوائي الجديد جرى اكتشافه وتطويره بواسطة فريق بحثي في شركة «إنسيليكو ميديسن» (Insilico Medicine)، التي تتخذ من مدينة مصدر في أبوظبي مقرًا إقليميًا لأعمالها البحثية. وأشارت المؤسسة إلى أن هذا الإنجاز يمثل «أول مرشح دوائي مكتشف محليًا» بالكامل، أي أن جميع مراحل الاكتشاف والتصميم الأولي تمت داخل الدولة اعتمادًا على منصات الذكاء الاصطناعي المتطورة دون نقل أو استيراد تقنيات جاهزة من الخارج.
ويستهدف المرشح الجديد علاج الأورام الصلبة، مع تركيز على بعض أنواع الأورام الدماغية التي تحتاج إلى علاجات أكثر دقة وفاعلية، ويُتوقع أن يدخل خلال الفترة المقبلة مسارًا منظّمًا من التجارب قبل السريرية والسريرية وفق المعايير العالمية المتبعة لاعتماد الأدوية الجديدة. وتؤكد مؤسسة الإمارات للدواء أن هذا المشروع جزء من محفظة بحثية أوسع تضم عشرات الأدوية التي تُطوَّر عالميًا بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي، بينها سبعة مرشحين وصلت بالفعل إلى مراحل متقدمة من التجارب على البشر.
كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي معادلة تطوير الأدوية؟
يعتمد تطوير المرشح الدوائي الإماراتي على منصة «Pharma.AI» التي طورتها «إنسيليكو ميديسن»، وهي منظومة تحليلية تستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي للتعامل مع كميات ضخمة من البيانات الحيوية والكيميائية والسريرية. وتعمل هذه المنصة على عدة مستويات، من بينها تحديد الأهداف الجزيئية الأكثر ارتباطًا بالمرض، وتصميم الجزيئات الدوائية المناسبة لها، والتنبؤ بقدرتها على الارتباط بالمستهدفات داخل الجسم، إضافة إلى تقييم مبدئي لدرجة الأمان والآثار الجانبية المحتملة.
خبراء تحدثت إليهم صحف محلية أوضحوا أن استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه المراحل يختصر سنوات من العمل التقليدي المعتمد على التجربة والخطأ، ويتيح الوصول إلى مرشحين دوائيين واعدين خلال فترة زمنية أقصر وبكلفة أقل. كما يسمح الذكاء الاصطناعي بإعادة تحليل بيانات قديمة بطرق جديدة، ما يفتح الباب أمام اكتشاف استعمالات إضافية لأدوية قائمة أو تصميم علاجات موجهة بدقة أعلى لفئات محددة من المرضى وفق خصائصهم الجينية والبيولوجية.
تعزيز موقع الإمارات في الصناعات الدوائية المتقدمة
يأتي هذا الإنجاز متسقًا مع مسار أوسع تعمل عليه الدولة منذ سنوات لتعزيز حضورها في قطاع الصناعات الدوائية والتقنيات الصحية المتقدمة. فبحسب تصريحات رسمية على هامش مؤتمرات متخصصة مثل «دوفات»، تُعد الإمارات من أوائل دول المنطقة في إدماج الذكاء الاصطناعي في التصنيع الدوائي، وفي تطوير آليات ذكية لتوصيل الجرعات وتقليل الآثار الجانبية المحتملة للأدوية.
وتشير مؤسسة الإمارات للدواء إلى أن تطوير مرشح دوائي محلي بالكامل بالذكاء الاصطناعي يجسد رؤية الدولة في الانتقال من استيراد الأدوية إلى المشاركة الفاعلة في إنتاج المعرفة الدوائية نفسها. كما ينسجم المشروع مع استراتيجيات وطنية في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد القائم على المعرفة، ويعزز من جاذبية الإمارات للاستثمارات العالمية في مجالات التكنولوجيا الحيوية وشركات الأدوية الناشئة.
خطوة نحو أمن دوائي وعلاجات أكثر تخصيصًا
على الصعيد الصحي، ترى الجهات المعنية أن امتلاك قدرات بحثية لتطوير أدوية مبتكرة داخل الدولة يسهم في تعزيز الأمن الدوائي، خاصة في ما يتعلق بالأمراض المعقدة مثل السرطان والأمراض النادرة. فإمكانية تصميم أدوية موجهة ضمن منظومة وطنية متكاملة، بالتعاون بين الجهات التنظيمية والبحثية والصناعية، تتيح للدولة مرونة أكبر في الاستجابة للاحتياجات العلاجية الناشئة وتوفير خيارات علاجية متقدمة للمرضى.
كما أن الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي يمهّد الطريق أمام ما يعرف بـ«الطب الشخصي»، حيث يمكن في المستقبل تصميم بروتوكولات علاجية تستند إلى الخصائص الجينية والبيانات الصحية لكل مريض على حدة، بما يزيد من فرص النجاح ويقلل من التعرض لآثار جانبية غير ضرورية. وتكشف التقارير أن الإمارات تعمل بالتوازي على تطوير البنية التحتية للبيانات الصحية، وهو عنصر أساسي لنجاح أي مشروع يعتمد على الذكاء الاصطناعي في المجالات الطبية.
آفاق مستقبلية وتحديات قائمة
رغم الزخم الإيجابي الذي رافق الإعلان عن أول مرشح دوائي محلي بالذكاء الاصطناعي، يشير متخصصون إلى أن الطريق ما زال طويلاً قبل أن يصل هذا المرشح أو غيره إلى مرحلة التداول الواسع في الأسواق. فعملية تطوير أي دواء جديد تمر بمراحل دقيقة تشمل التجارب على الحيوانات، ثم عدة مراحل من التجارب السريرية على البشر للتأكد من الفاعلية والسلامة، وهي مراحل قد تستغرق سنوات حتى في ظل استخدام الأدوات الرقمية المتقدمة.
مع ذلك، تؤكد مؤسسة الإمارات للدواء وشركاؤها أن الأهم في هذه المرحلة هو ترسيخ القدرات البحثية ونقل المعرفة إلى الكوادر الوطنية، بما يحول الإمارات إلى «مختبر إقليمي» لتطوير الأدوية بدلاً من أن تكون مجرد سوق مستهدفة بالتسويق والبيع. وبالنظر إلى حجم الاستثمارات الموجهة للذكاء الاصطناعي والعلوم الحيوية في الدولة، يتوقع مراقبون أن يشهد العقد المقبل مزيدًا من الإعلانات عن مرشحات دوائية جديدة «مصممة في الإمارات»، ما يعزز حضورها في خريطة الابتكار الدوائي العالمي.




