رغم التوقعات باقتراب الطلب العالمي على النفط من بلوغ ذروته خلال السنوات المقبلة، فإن ذلك لا يعني نهاية عصر الاستثمار في القطاع، إذ تشير تقديرات حديثة إلى أن صناعة الطاقة ستظل بحاجة إلى تطوير مئات المليارات من براميل الموارد النفطية الجديدة حتى منتصف القرن، لتعويض التراجع الطبيعي في إنتاج الحقول القائمة وتلبية الطلب العالمي.
وبحسب تقديرات شركة «ريستاد إنرجي» لتحليلات الطاقة، يحتاج قطاع النفط، في السيناريو الأساسي، إلى تطوير أكثر من 560 مليار برميل من الموارد الجديدة خلال الفترة بين 2026 و2050، في مؤشر على استمرار أهمية الاستثمارات في عمليات الاستكشاف والتطوير والإنتاج، حتى مع تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة وانتشار السيارات الكهربائية.
ذروة الطلب النفطي في 2030
وتتوقع ريستاد إنرجي أن يصل الطلب العالمي على المنتجات النفطية إلى ذروته عند نحو 107.5 مليون برميل يومياً في عام 2030، قبل أن يبدأ مساراً تدريجياً نحو الانخفاض ليصل إلى نحو 88 مليون برميل يومياً بحلول 2050.
لكن حجم الانخفاض يظل محاطاً بدرجة كبيرة من عدم اليقين، إذ تشير السيناريوهات البديلة إلى اختلافات واسعة وفقاً لسرعة التطور التكنولوجي والسياسات المناخية والتحول في قطاعات النقل والصناعة والطاقة.
ففي السيناريو المرتفع، يمكن أن يظل الطلب أعلى من 107 ملايين برميل يومياً بحلول 2050، بينما قد ينخفض إلى نحو 66 مليون برميل يومياً في السيناريو المنخفض.
السيارات الكهربائية تغير خريطة الاستهلاك
ويمثل قطاع النقل البري أحد أبرز مصادر الضغط على الطلب النفطي مستقبلاً، مع التوسع المتسارع في استخدام المركبات الكهربائية.
وتشير التقديرات إلى انخفاض استهلاك وقود سيارات الركاب من نحو 27.8 مليون برميل يومياً في 2025 إلى 14.3 مليون برميل يومياً في 2050 في السيناريو الأساسي.
وتقود الصين هذا التحول على المدى القريب، مستفيدة من الانتشار السريع للسيارات الكهربائية وتوسع شبكات الشحن وتجدد أسطول المركبات.
ورغم ذلك، قد يحد النمو الكبير في عدد المركبات عالمياً من سرعة انخفاض استهلاك النفط، إذ يُتوقع ارتفاع عدد السيارات والدراجات النارية من نحو 2.3 مليار وحدة في 2025 إلى حوالي 4.2 مليار بحلول 2050.
الطيران والبتروكيماويات يدعمان الطلب
وفي المقابل، ستواصل بعض القطاعات دعم استهلاك النفط خلال العقود المقبلة، وعلى رأسها الطيران والبتروكيماويات.
فمن المتوقع ارتفاع الطلب النفطي في قطاع الطيران من 7.5 مليون برميل يومياً في 2025 إلى 10.4 مليون برميل يومياً في 2050، مدفوعاً بتزايد حركة السفر الجوي، خصوصاً في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط.
كما يتوقع ارتفاع الطلب المرتبط بصناعة البتروكيماويات من نحو 15 مليون برميل يومياً إلى قرابة 22 مليون برميل يومياً خلال الفترة نفسها.
الإنتاج يبلغ ذروته قبل الطلب
وعلى صعيد الإمدادات، تشير التوقعات إلى أن إنتاج السوائل العالمي قد يصل إلى ذروته عند نحو 112 مليون برميل يومياً في 2027، أي قبل بلوغ الطلب ذروته بنحو ثلاث سنوات، ثم يتراجع إلى نحو 89 مليون برميل يومياً بحلول منتصف القرن.
وهنا تبرز معضلة رئيسية أمام سوق الطاقة؛ فتراجع الطلب لا يعني إمكانية وقف تطوير المشروعات النفطية الجديدة، لأن الحقول المنتجة حالياً تشهد انخفاضاً طبيعياً في معدلات الإنتاج مع مرور الوقت.
ولهذا تحتاج الصناعة، حتى في السيناريو الذي يشهد انخفاضاً سريعاً للطلب، إلى تطوير نحو 466 مليار برميل من الموارد الجديدة حتى 2050. وترتفع الكمية المطلوبة إلى نحو 630 مليار برميل في السيناريو المرتفع، مقابل أكثر من 560 مليار برميل في السيناريو الأساسي.
استثمارات تصل إلى 500 مليار دولار سنوياً
وتعكس هذه الأرقام ضخامة الاستثمارات المطلوبة للحفاظ على توازن السوق، إذ تتوقع ريستاد إنرجي استقرار استثمارات قطاع المنبع في السيناريو الأساسي عند نحو 450 إلى 500 مليار دولار سنوياً بعد عام 2030.
ومن المرجح أن تتجه حصة متزايدة من رؤوس الأموال نحو مشروعات جديدة لم تصل بعد إلى قرار الاستثمار النهائي، ما يجعل قرارات الشركات والدول المنتجة أكثر ارتباطاً بتوقعات الطلب والأسعار وتكلفة الإنتاج.
وفي الوقت نفسه، تضيف اضطرابات الإمدادات والتوترات الجيوسياسية مزيداً من التعقيد إلى مستقبل السوق، خصوصاً مع تأثير التطورات في الشرق الأوسط وروسيا وأوكرانيا على حركة الخام وتشغيل المصافي العالمية.
وتشير تقديرات «وود ماكنزي» إلى أن استعادة حركة العبور بصورة كاملة عبر مضيق هرمز قد تدفع أسواق النفط نحو مرحلة مختلفة، مع إمكانية تراجع خام برنت إلى نطاق يتراوح بين 50 و60 دولاراً للبرميل، بالتزامن مع نمو إمدادات المنتجين من خارج «أوبك» بوتيرة قد تتجاوز نمو الطلب العالمي خلال عامي 2027 و2028.
وبين ذروة الطلب وتراجع إنتاج الحقول الحالية، تبدو معادلة النفط خلال العقود المقبلة أكثر تعقيداً من مجرد انخفاض الاستهلاك؛ إذ سيظل العالم بحاجة إلى استثمارات ضخمة وموارد جديدة لضمان استقرار الإمدادات، حتى في عالم يتجه تدريجياً نحو تقليل اعتماده على الوقود الأحفوري.




