أثارت نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي موجة من التحركات في الأسواق المالية العالمية، وسط تراجع الدولار وعوائد سندات الخزانة، وارتفاع أسعار الذهب، وتصاعد التساؤلات بشأن مستقبل الاستثمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي.
وفي تصريحات خاصة لـ«لنا»، قدّم ثلاثة من كبار الخبراء والمسؤولين في شركات الخدمات المالية والاستثمار تحليلاتهم لتداعيات المشهد السياسي الأمريكي على الأسواق العالمية، وانعكاساته المحتملة على أسعار النفط والذهب والعملات والأسهم، إلى جانب مستقبل الاستثمارات التكنولوجية ومراكز البيانات.
وتناولت التصريحات تأثير التحولات السياسية في واشنطن على قرارات المستثمرين، وتوقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، فضلاً عن الفرص التي قد تتيحها التطورات الجديدة أمام دولة الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي في قطاع الذكاء الاصطناعي.
مادور كاكار: تراجع الدولار وصعود الذهب يعكسان إعادة تسعير المخاطر السياسية
قال مادور كاكار، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة إليفيت للخدمات المالية، في تصريحات خاصة لـ«لنا»:
سارعت الأسواق إلى تسعير مشهد الانقسام السياسي في واشنطن، وكان أبرز انعكاساته تراجع الدولار وتعزز مكاسب الذهب. ومع سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس، بدأ المستثمرون يستبعدون احتمال اعتماد أجندة مالية توسعية أكبر تموَّل بالعجز، ما دفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى التراجع نحو 4.9%، فيما هبط مؤشر الدولار إلى نحو 101.3 خلال تعاملات الليلة الماضية.
وارتفع الذهب بأكثر من 2% على خلفية هذه التطورات، متجاوزاً مستوى 4,000 دولار للأونصة. ومن شأن صدور بيانات ضعيفة للوظائف يوم الجمعة أن يمنحه زخماً يساعده على الحفاظ على هذه المستويات.
أما النفط، فتتحكم في تحركاته التطورات المتعلقة بإيران، لا المشهد السياسي في واشنطن، إذ يتداول خام برنت قرب 103 دولارات للبرميل، مقترباً من أدنى مستوياته في أربعة أسابيع، مع إحراز المفاوضات الرامية إلى إنهاء الصراع تقدماً. وبذلك، تظل الانتخابات عاملاً ثانوياً في تحديد اتجاه أسعار النفط الخام.
أسهم الذكاء الاصطناعي تواجه مخاطر جديدة
وتتحمل أسهم شركات الذكاء الاصطناعي أكبر قدر من المخاطر على المدى القريب، إذ تراجعت العقود الآجلة لمؤشر ناسداك 100 بنسبة وصلت إلى 2.4% قبل أن تقلص خسائرها، مع شروع المستثمرين في إعادة تسعير التوقعات على ضوء احتمال تشديد قواعد إصدار التصاريح لمراكز البيانات، وفرض ضوابط أكثر صرامة على استهلاك الطاقة والمياه في ظل سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس وعدد من مناصب حكام الولايات، بما فيها ولاية تكساس.
ولا يعكس هذا التراجع إعادة تقييم للطلب على الذكاء الاصطناعي بقدر ما يعكس تعديلاً للتوقعات المتعلقة بالجداول الزمنية للتوسع في إنشاء البنية التحتية اللازمة له داخل الولايات المتحدة. ومن شأن أي تباطؤ في وتيرة التوسع الأميركي في مراكز البيانات أن يعزز جاذبية الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي عموماً، حيث توفر رؤوس الأموال السيادية وموارد الطاقة وبرامج البنية التحتية المدعومة حكومياً ركائز قوية للاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
مانجيت ماركاندا: السياسة النقدية قد تتفوق على نتائج الانتخابات في توجيه الأسواق
وقال مانجيت ماركاندا، رئيس قسم دعم التداول في لونارو ماركتس ليمتد، في تصريحات خاصة لـ«لنا»:
وفقاً للنتائج الأولية المتاحة وقت إعداد هذا التعليق، حسم الديمقراطيون السيطرة على مجلسي الكونغرس، في تطور انعكس سريعاً على الأسواق بتراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وضعف الدولار. ويبدو أن المستثمرين يراهنون على أن انفراد الديمقراطيين بالسيطرة على الكونغرس سيحد من قدرة الرئيس دونالد ترامب على تمرير أجندته، ولا سيما خطط الإنفاق الممولة بالعجز. وفي هذا المناخ، تلقى الذهب دعماً من تراجع الدولار والعوائد، ليتجه إلى الارتفاع.
لكن من السابق لأوانه الجزم بأن الانتخابات ستكون العامل الحاسم في توجيه الأسواق. فمسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي قد يكون أكثر تأثيراً، خصوصاً أن تسعير الأسواق لا يزال يرجّح رفع أسعار الفائدة في ديسمبر. ومن ثم، قد تحظى بيانات الوظائف الأمريكية المقرر صدورها الجمعة، وبيانات التضخم المنتظرة الأسبوع المقبل، بأهمية تفوق نتائج الانتخابات ذاتها. وفي المقابل، فإن تجدد المواجهة السياسية بشأن الإنفاق الحكومي أو سقف الدين خلال الأشهر المقبلة قد يعيد الضغوط الصعودية على عوائد السندات والدولار.
النفط ومضيق هرمز في قلب حسابات المستثمرين
أما النفط، فلا يزال اتجاهه مرتبطاً أساساً بمسار المحادثات الأمريكية الإيرانية والتطورات المحيطة بمضيق هرمز. ومع ذلك، قد تفرض نتائج الانتخابات زخماً سياسياً إضافياً باتجاه تسوية للصراع، بعدما شكّلت الحرب وأسعار الوقود محورين بارزين في حسابات الناخبين. ورغم أن قدرة الكونغرس على تقييد العمليات العسكرية تظل محدودة وبطيئة، مع احتفاظ البيت الأبيض بزمام القرار، فإن أسعار النفط قد تبقى عرضة لتحركات حادة في الاتجاهين بفعل التطورات السياسية والتصريحات المتلاحقة على المدى القريب. لكن التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يفتح المجال أمام تراجع الأسعار تدريجياً.
وتبدو أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي الأكثر عرضة لتداعيات المرحلة المقبلة، في ظل تنامي توقعات المستثمرين بتشديد الرقابة على شركات التكنولوجيا الكبرى ومراكز البيانات. وكانت هذه الأسهم ترزح بالفعل تحت ضغوط بيعية خلال الأسابيع الماضية، وإن كان تراجع عوائد السندات قد يوفر متنفساً لتقييماتها ويحد من حدة الضغوط عليها.
تقلبات متوقعة في أسواق الأسهم الأمريكية
وعلى الصعيد التاريخي، تميل الأسهم الأمريكية إلى تسجيل مكاسب خلال الاثني عشر شهراً التالية لانتخابات التجديد النصفي، لكن الأسابيع الأولى غالباً ما تشهد تداولات متقلبة. ولا يمثل الأداء السابق مؤشراً موثوقاً للنتائج المستقبلية؛ لذلك، تبدو التقلبات في المرحلة المقبلة أرجح من تحرك الأسواق في اتجاه واضح ومستقر.
وفي المحصلة، ستظل اتجاهات الأسواق رهناً بتفاعل مجموعة من العوامل المتغيرة، وينبغي أن تستند القرارات الاستثمارية إلى أهداف كل مستثمر وظروفه الخاصة وتقييمه المستقل للمخاطر المرتبطة بها.
علي أصغر تامباوالا: مستقبل الذكاء الاصطناعي يتأثر بالسياسات المحلية الأمريكية
وفي تصريحات خاصة لـ«لنا»، قدّم علي أصغر تامباوالا، الرئيس المشارك للاستثمار في كلاي جروب، تحليلاً لتأثير الانتخابات الأمريكية على أسواق الأسهم والذكاء الاصطناعي والعملات وأسعار الفائدة والذهب.
الأسهم العالمية
من غير المتوقع أن يؤدي فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي الكونغرس الأميركي، في حد ذاته، إلى تقويض استثمارات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والإنفاق الرأسمالي المرتبط بها بصورة جوهرية. فرغم انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين، فإن أي تشريع يستهدف فرض قيود كبيرة على استثمارات الذكاء الاصطناعي سيواجه احتمال استخدام الرئيس دونالد ترمب حق النقض ضده.
وقد أبدى ترمب دعماً واضحاً لتسريع بناء مراكز البيانات، وتعزيز الاستثمار في قطاع التكنولوجيا محلياً، وإعادة توطين الصناعات التحويلية. كما دعا مراراً إلى تسريع إجراءات منح التراخيص الفيدرالية لمشروعات البنية التحتية لمراكز البيانات، وتخفيف القيود التنظيمية المفروضة على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
لكن الاهتمام الأكبر ينبغي أن ينصب على انتخابات الولايات والانتخابات المحلية، إذ تتزايد القيود المفروضة على إنشاء مراكز البيانات الجديدة على هذا المستوى. وتقدم ولاية نيويورك مثالاً واضحاً على ذلك؛ فقد طرحت الحاكمة كاثي هوكول في يوليو الماضي مقترحاً لتعليق الموافقات على إنشاء مراكز البيانات الكبرى لمدة عام، مع وقف مؤقت لإصدار التصاريح البيئية ريثما تضع الولاية قواعد تنظم تكاليف الكهرباء ومتطلبات شبكات النقل واستهلاك المياه والمنافع التي تعود على المجتمعات المحلية.
وتكتسب هذه القضية بعداً سياسياً متزايداً، في ظل تساؤلات الناخبين بشأن تحميل الأسر تكاليف البنية التحتية والمرافق العامة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات الضخمة.
وتُعد تكساس واحدة من أكبر أسواق مراكز البيانات وأسرعها نمواً في الولايات المتحدة. ومن شأن فوز الديمقراطية جينا هينوخوسا في انتخابات الولاية أن يؤدي إلى بعض الاضطرابات قصيرة الأجل في وتيرة التوسع بهذا القطاع. فقد تضمنت مقترحاتها اشتراط الاستعانة بعمالة نقابية مؤهلة، ومنح المجتمعات المحلية صلاحيات أوسع للموافقة على المشروعات أو رفضها، وتعزيز الشفافية بشأن استهلاك الكهرباء والمياه، وإلغاء بعض الإعانات، وضمان عدم تحميل الأسر تكاليف توسعة شبكات الكهرباء والبنية التحتية المائية اللازمة للمراكز الكبرى.
ولا تعني هذه المقترحات معارضة إنشاء مراكز البيانات بصورة مطلقة، إذ تدرك هينوخوسا ما توفره هذه المشروعات من وظائف واستثمارات وإيرادات ضريبية كبيرة. لكنها تشير إلى احتمال خضوع المشروعات الجديدة لشروط أكثر صرامة، وإجراءات موافقة أطول، وتدقيق أكبر في احتياجاتها من الطاقة والمياه.
ومن المرجح أن يتمكن القطاع من التكيف مع هذه التحديات، لكنه سيحتاج إلى تعزيز التواصل مع المجتمعات المحلية ومعالجة مخاوفها بصورة أكثر فاعلية. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتماد على نماذج تتيح لمراكز البيانات توفير احتياجاتها من الطاقة بشكل مستقل، وهو ما يجعل مفهوم «توفير الطاقة ذاتياً» أحد أبرز التوجهات طويلة الأجل في قطاع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، ربما تكون الأسواق قد استوعبت بالفعل جانباً كبيراً من هذه المخاطر في تقييماتها. فقد تراجع صندوق «آي شيرز لأشباه الموصلات» (SOXX) بنسبة 29% مقارنة بذروته المسجلة في 22 يونيو، وفقاً لبيانات بلومبرغ الصادرة في 4 نوفمبر 2026. ويعكس هذا التراجع المخاوف من التحولات السياسية والتنظيمية، إلى جانب التساؤلات المتزايدة بشأن تضخم الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي واستدامة نماذج التمويل التي تدعم التوسع في بنيته التحتية. ورغم استمرار هذه المخاطر، بدأت التقييمات تعكس نظرة أكثر تحفظاً بكثير مقارنة بما كانت عليه قبل بضعة أشهر..
آفاق الاقتصاد الكلي
تؤثر العوامل الاقتصادية الكلية الأوسع نطاقاً، مثل سياسة الاحتياطي الفيدرالي، ونمو أرباح الشركات، والتطورات الجيوسياسية، بما فيها التوترات المرتبطة بإيران وأسعار الطاقة والنفط، في أداء الأسواق بدرجة أكبر من نتائج الانتخابات وحدها.
ومع ذلك، غالباً ما تميل الأسواق إلى تفضيل حالة الجمود السياسي أو انقسام السيطرة على الحكومة بين الحزبين. ومنذ عام 1950، سجل مؤشر ستاندرد آند بورز 500 مكاسب في جميع الفترات الـ19 التي أعقبت انتخابات التجديد النصفي خلال الاثني عشر شهراً التالية لها، بمتوسط ارتفاع يتراوح بين 14% و15% تقريباً. ورغم ذلك، قد تتسم ردود الفعل قصيرة الأجل بتقلبات متقطعة أو تحركات تحركها العناوين الإخبارية.
العملات الأجنبية وأسعار الفائدة
دخل الدولار الأمريكي انتخابات التجديد النصفي وهو يحظى بطلب قوي. فقد كان أداء العملة الأمريكية قوياً للغاية خلال الأشهر القليلة الماضية، وتشير الرسوم البيانية الفنية إلى أن تصحيحاً سعرياً بات مستحقاً. وقد يشكل هذا الحدث السياسي محفزاً لتصحيح فني وإعادة ترتيب مراكز المستثمرين، ولا سيما المراكز الشرائية الكبيرة على الدولار.
وستعيد هذه الانتخابات طرح تساؤلات بشأن العجز المالي الأمريكي، كما ستبرز النقاشات المتعلقة برفع سقف الدين. ومن منظور الاقتصاد الكلي، تشكل هذه العوامل ضغوطاً سلبية على الدولار. كذلك، فإن تراجع حدة التهديدات المرتبطة باحتمال اندلاع حرب مع إيران، إلى حد ما، عقب فوز الجمهوريين الكاسح، قد يدفع أسعار النفط إلى الانخفاض، ما يضعف بدوره أحد العوامل الداعمة لقوة الدولار.
الدخل الثابت
قد تحمل نتيجة الانتخابات دعماً محدوداً لأسواق الدخل الثابت. فمن شأن القيود الإضافية على التوسع في الإنفاق المالي، إلى جانب بعض الاعتدال في الطلب الاستثماري، أن تسهم في تهدئة توقعات النمو والتضخم. ونتوقع تصاعد التصريحات والمواقف السياسية بشأن تمويل الحكومة وسقف الدين. وقد يحد الانقسام السياسي من فرص إقرار حوافز مالية إضافية، لكنه لن يسهم كثيراً في معالجة العجز القائم أو احتياجات الاقتراض الكبيرة.
كما أن نتائج انتخابات حكام الولايات والانتخابات المحلية مهمة بالنسبة إلى الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي. ونرى مجالاً لتراجع الضغوط التضخمية الناجمة عن هذا الإنفاق، ولو بدرجة محدودة، إذا تباطأت المشروعات والاستثمارات الرأسمالية. وقد تستقر أسعار النفط أيضاً مع تنامي التوقعات بانخفاض مستوى الانخراط العسكري الأمريكي في إيران. ومن شأن إحراز تقدم مستدام نحو خفض التصعيد وتحسن الأوضاع الأمنية في مضيق هرمز أن يعزز هذا الاتجاه.
وقد تؤدي هذه التطورات مجتمعة إلى تقليص الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي من جانب الاحتياطي الفيدرالي، وإن كنا نتوقع أن يواصل البنك الاستناد إلى البيانات الاقتصادية في قراراته. ونميل إلى ترجيح اتساع الفارق بين العوائد قصيرة الأجل وطويلة الأجل، أي زيادة انحدار منحنى العائد. ومن المرجح أن تستفيد عوائد سندات الخزانة قصيرة الأجل ومتوسطة الأجل بصورة مباشرة أكبر من تراجع توقعات التشديد النقدي، في حين قد تبقي الضبابية المالية واحتياجات الاقتراض العوائد طويلة الأجل عند مستويات مرتفعة نسبياً.
الذهب
إذا تراجعت أسعار الفائدة وضعف الدولار، فقد يتمكن الذهب من الحفاظ على مستواه البالغ 4,000 دولار للأونصة. أما أي ارتداد تكتيكي مدفوع بالمخاوف السياسية، فمن غير المرجح أن يستمر طويلاً. وبوجه عام، يُتوقع أن تظل التحركات قصيرة الأجل للذهب محكومة بضجيج السوق والتقلبات المؤقتة.




