طرحت إيران مقترحًا سياسيًا من ثلاث مراحل لوقف الحرب الجارية وكسر حالة الجمود الدبلوماسي، في محاولة لإعادة فتح مسار التفاوض مع القوى الدولية مع الإبقاء على جزء من أوراق الضغط بيدها، بحسب ما نقلته تقارير وتحليلات إعلامية عن مصادر مطلعة على المشاورات الجارية. ويهدف المقترح إلى الجمع بين وقف تدريجي للأعمال العسكرية وترتيبات أمنية للممرات البحرية، مع ترحيل الملفات الأكثر تعقيدًا، وعلى رأسها الملف النووي، إلى مرحلة لاحقة.
المرحلة الأولى: تهدئة ميدانية وربط فتح هرمز بوقف التصعيد
تتضمن المرحلة الأولى من المقترح، وفقًا للتسريبات المتداولة، وقفًا تدريجيًا للأعمال العسكرية الأشد بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بما يشمل الهجمات المباشرة والعمليات ذات الطابع الاستراتيجي. وتطرح طهران في هذه المرحلة ربطًا واضحًا بين تخفيف التصعيد على الجبهات المختلفة وبين إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الشحن الدولية، أو على الأقل رفع مستوى القيود المفروضة على عبور السفن، مقابل التزام واضح من الطرف الآخر بعدم توسيع العمليات العسكرية ضد أراضيها.
وتهدف هذه الخطوة إلى خفض المخاطر الفورية على أمن الطاقة العالمي والتجارة البحرية، مع إبقاء الملف العسكري تحت السيطرة، بما يسمح بتهيئة مناخ تفاوضي أكثر هدوءًا من الوضع القائم. كما تتيح لإيران تقديم نفسها كطرف مستعد لوقف النار ضمن معادلة «خطوات متبادلة»، لا كطرف يتراجع من دون مقابل سياسي أو أمني واضح.
المرحلة الثانية: ترتيبات أمنية وسياسية للممرات البحرية
في المرحلة الثانية، يتوسع المقترح الإيراني نحو ترتيبات أمنية وسياسية تتجاوز وقف النار المباشر، عبر السعي إلى تفاهمات أوسع حول حماية الممرات البحرية في الخليج ومضيق هرمز بمشاركة قوى إقليمية ودولية. وتشير الخطوط العامة للخطة إلى إمكانية إشراك دول وسيطة أو أطراف ثالثة في صياغة آليات مراقبة وضمانات لحرية الملاحة، مقابل تعهدات بعدم استخدام المضائق كورقة ضغط عسكرية أو اقتصادية من أي طرف.
كما تتضمن هذه المرحلة، بحسب ما نُقل، إطلاق قنوات حوار سياسي غير مباشر بين طهران وبعض العواصم الغربية، وربما الإقليمية، لبحث القضايا المرتبطة بالحرب الحالية وملفات الأمن الإقليمي، من دون الدخول مباشرة في الملفات الأكثر حساسية، في محاولة لبناء «أرضية ثقة» تدريجية تمهّد لما هو أبعد من وقف النار.
المرحلة الثالثة: ترحيل الملف النووي والملفات الثقيلة
المرحلة الثالثة في المقترح توصف بأنها «مرحلة الملفات الثقيلة»، حيث يُرحَّل إليها النقاش المباشر حول البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية، إضافة إلى ترتيبات أمنية أوسع تتعلق بدور إيران الإقليمي. وتربط طهران، وفق هذه التصورات، بدء التفاوض التفصيلي على هذه القضايا بنتائج المرحلتين الأولى والثانية، من حيث تثبيت وقف الحرب وضمان استمرار الملاحة وتقليص المخاطر العسكرية المباشرة.
وترى طهران أن هذا الترتيب يمنحها وقتًا لإعادة تموضعها السياسي وتحسين موقعها التفاوضي، بدل الدخول في حزمة شاملة منذ البداية قد تُفسَّر على أنها تنازل تحت ضغط عسكري واقتصادي. في المقابل، تنظر عواصم غربية إلى هذا التقسيم على أنه محاولة لفصل الملفات وتجزئة الضغوط، بما يسمح لإيران بالحصول على تخفيف في بعض الجوانب قبل تقديم تنازلات جوهرية في ملفها النووي أو برنامجها الصاروخي.
حسابات طهران وحسابات الخصوم
يرى محللون أن المقترح يعكس تحوّلًا تكتيكيًا في مقاربة إيران للأزمة، إذ تحاول الجمع بين إظهار الاستعداد لوقف الحرب وتحميل الطرف الآخر مسؤولية استمرارها إذا رُفضت الخطة، وبين الإبقاء على مكامن قوة مثل ورقة مضيق هرمز والملف النووي لمراحل لاحقة من التفاوض. كما يسعى الطرح، بحسب هذه القراءة، إلى إحراج إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر وضعها أمام خيارين: القبول بخريطة طريق تدريجية تقرّ ضمنًا بدور إيران الإقليمي، أو تحمّل كلفة استمرار الحرب وتداعياتها على أسواق الطاقة والملاحة العالمية.
في المقابل، تشير تقارير غربية إلى أن المقترح، بصيغته المسربة، لا يلبّي كل شروط العواصم المعنية، خصوصًا في ما يتعلق بملف الصواريخ الباليستية، ونفوذ طهران في عدد من ساحات المنطقة، وضرورة وجود آليات رقابة صارمة على أي تفاهم نووي مستقبلي، ما يجعل اعتماده كما هو أمرًا غير مرجح دون تعديلات وضمانات إضافية.
فرص النجاح وحدود المبادرة
حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على قبول أو رفض نهائي لهذه الخطة، إذ تتعامل معها بعض الأطراف كمجرد «جس نبض» سياسي من جانب طهران، بينما يعتبرها آخرون نقطة انطلاق محتملة لأي مسار تفاوضي جدي إذا ما توافرت إرادة دولية لوقف الحرب. وتشير تجارب سابقة في المنطقة إلى أن المبادرات المرحلية قد تنجح في خلق هدن مؤقتة وتخفيف حدة الصراع، لكنها تحتاج إلى توافق أوسع وضمانات قوية حتى تتحول إلى تسويات دائمة، لا مجرد وقف لإطلاق النار سرعان ما ينهار مع أول اختبار ميداني أو سياسي.
وبينما تترقب العواصم الإقليمية والدولية ردود الفعل الرسمية على المقترح الإيراني، يبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كان هذا الطرح يمثل بداية مسار لإنهاء الحرب أم مجرد مناورة سياسية جديدة في صراع معقّد لم يبلغ بعد نقطة التوازن اللازمة لولادة تسوية شاملة.




