يشهد مجال العلوم الطبية جدلاً متجدداً حول الرقم المثالي لساعات النوم اليومية. وتشير أبحاث حديثة إلى أن سبع ساعات تمثل النقطة الأمثل للحفاظ على صحة الدماغ وتجنب الأمراض العصبية المرتبطة بالشيخوخة.
خلال السنوات الماضية، ساد اعتقاد شامل بأن ثماني ساعات نوم يومية هي الحد الأدنى الضروري. لكن الخبراء باتوا يطعنون في هذه القاعدة. وفقاً لما نقلته مصادر إعلامية متخصصة، وصف عالم الأحياء التطورية بجامعة هارفارد، دانيال إي. ليبرمان، هذا الاعتقاد بأنه “تبسيط ثقافي” ولا أساس بيولوجي له. وأكد ليبرمان أن الدراسات الكبرى أظهرت أن أقل خطر للوفيات يظهر عند النوم سبع ساعات، وليس ثماني.

الخطر يزداد مع قلة النوم
أجرى باحثون من المعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحوث الطبية وجامعة باريس، بالتعاون مع جامعة يونيفرسيتي كوليج في لندن، دراسة مكثفة تتبعت حوالي ثمانية آلاف بالغ بريطاني لأكثر من خمسة وعشرين عاماً. وأسفرت النتائج، التي نُشرت في مجلة “نيتشر كومونيكيشنز” ، عن تحذيرات صارمة بشأن مخاطر الحرمان من النوم.
حدّدت الدراسة أن الأشخاص الذين لا ينالون سوى ست ساعات أو أقل من النوم ليلاً، خاصة في مرحلة العمر بين الخمسين والسبعين، يواجهون خطراً أعلى بنسبة 20 إلى 40 في المائة للإصابة بالخرف مقارنة بمن ينامون سبع ساعات فعلياً.
وأضافت الدراسة أن الخطر يشمل كذلك من يزيد نومهم عن ثماني ساعات بشكل منتظم. هذه العلاقة تشكل ما يسميه العلماء “منحنى المخاطر على شكل حرف U”. بعبارة أخرى، هناك نطاق ضيق من ساعات النوم المثالية، وأي انحراف عنه، سواء بالإقلال أو الإكثار، يرفع احتمالات المضاعفات الصحية.
مرونة في التطبيق
لكن الخبراء يشددون على عدم جعل هذا الرقم قاعدة جامدة، فإن جودة النوم والاتساق أهم من الالتزام برقم محدد. الأكاديمية الأمريكية لطب النوم وجمعية أبحاث النوم توصي البالغين بالنوم سبع ساعات أو أكثر، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف الاحتياجات الفردية حسب العمر والحالة الصحية.
وأشار متخصصون إلى أن الحوامل والمرضى والرياضيين قد يحتاجون ساعات إضافية. كذلك، فإن الاستيقاظات المتكررة ليلاً قد تقلل من فائدة النوم الكافي بعدد الساعات. لذا، يتعين التركيز على جودة النوم المتواصل بقدر تركيزنا على عدد الساعات.
تاريخ القاعدة الثقافية
يرجع الخبراء قاعدة “ثماني ساعات” إلى تأثر ثقافي نشأ مع الثورة الصناعية. وتشير الدراسات الميدانية إلى أن المجتمعات التي لا تتوفر فيها كهرباء حديثة ينام أفرادها طبيعياً بين ست إلى سبع ساعات فقط. هذا يدل على أن الرقم المعروف عالمياً ليس ضرورة بيولوجية حتمية، بل تأثر بتطورات اجتماعية وثقافية حديثة العهد.

التوصيات العملية
يوصي الخبراء الراغبين في حماية صحة دماغهم بعدة خطوات عملية. أولاً، استهداف نوم منتظم بين سبع إلى تسع ساعات يومياً. ثانياً، الحفاظ على مواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ حتى في أيام الإجازات. ثالثاً، ضمان تعرض الجسم للضوء الطبيعي صباحاً وتقليل الضوء الأزرق من الأجهزة الذكية قبل النوم بساعة على الأقل.
وتشمل التوصيات أيضاً تحضير غرفة النوم: تظليمها الكامل وتخفيض درجة حرارتها. والحد من تناول القهوة والكافيين، خاصة في ساعات ما بعد الظهيرة. وإذا كان الشخص يحتاج بانتظام أكثر من تسع ساعات، يُنصح باستشارة طبيب متخصص للتحقق من وجود حالات صحية كامنة مثل الاكتئاب أو انقطاع النفس أثناء النوم.
رسالة توضيحية
يؤكد الخبراء في الأوساط الطبية أن الهدف ليس الوصول إلى رقم سحري، بل تحقيق توازن صحي. النوم المثالي نطاق مرن يختلف من شخص لآخر، بناءً على مرحلة الحياة والصحة العامة والأداء اليومي. ما يهم فعلاً هو الشعور بالنشاط والراحة خلال اليوم، وليس التقيد الحرفي بالأرقام المشهورة، لأن الممارسة والجودة تسبق الكمية في أهميتها.




