بقلم إيزابيل فرنانديز ماتيو، أستاذة الاستراتيجية وريادة الأعمال في كلية لندن للأعمال
في مجالس الإدارة من دبي إلى الرياض، يُعيد الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة رسم آليات عمل المؤسسات وإدارة عملياتها. وعلى امتداد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تقود الحكومات استراتيجيات وطنية طموحة للذكاء الاصطناعي، وأجندات للتحول الرقمي، وتتجه نحو بناء اقتصادات قائمة على المعرفة تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط والغاز. ومع توجه الشركات نحو أتمتة عمليات التوظيف، يبرز تساؤل جوهري حول قدرة التكنولوجيا وحدها على بناء منظومات لاستقطاب الكفاءات تتسم بالعدالة والتنوع والجاهزية للمستقبل.

وبصفتي باحثة متخصصة في دراسة العلاقة بين الذكاء الاصطناعي وعمليات التوظيف، أرى أنه رغم قدرة هذه التقنيات على تعزيز الكفاءة والاتساق، تبقى البصيرة الإنسانية عنصراً لا غنى عنه في جميع مراحل استقطاب الكفاءات. وتكتسب هذه البصيرة أهمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تشهد أسواق العمل تحولاً هيكلياً عميقاً.
ولا يمكن اختزال عملية التوظيف في قرار بالقبول أو الرفض، بل تتألف من سلسلة من المراحل المترابطة. تبدأ المؤسسات بتحديد الأدوار الوظيفية وصياغة توصيفاتها، ثم استقطاب المتقدمين وفرز سيرهم الذاتية وإجراء المقابلات معهم، وصولاً إلى تقديم عروض العمل والتفاوض بشأن قبولها. وفي كل مرحلة، يتخذ كل من أصحاب العمل والمرشحين قرارات تؤثر في مسار العملية. ومع تزايد دور الذكاء الاصطناعي في تشكيل العديد من هذه القرارات، يظل تأثيره بعيداً عن الحياد.
وتتجلى هذه المسألة في أولى مراحل التوظيف، وهي تحديد الوظيفة نفسها. فمع بدء المؤسسات في تجربة أدوات الذكاء الاصطناعي للاستفادة منها في صياغة الأوصاف الوظيفية وتحديد المهارات الأكثر طلباً، من المحتمل أن تتطور تعريفات الوظائف لتشمل مزيجاً جديداً من المهارات، أو تمنح بعض القدرات أهمية مختلفة مقارنة بالماضي. إلا أننا نفتقر حالياً إلى أدلة تجريبية شاملة تستند تحديداً إلى واقع منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. والمؤكد أن طريقة تحديد نطاق الوظيفة ستؤثر في هوية المتقدمين إليها ومدى شعورهم بأنها تناسبهم، ما يجعل الإشراف البشري الدقيق أمراً لا غنى عنه.
تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي في تدريبها على بيانات تاريخية، وإذا كانت البيانات تعكس افتراضات الماضي، فقد تسهم هذه الأنظمة في إعادة إنتاجها وتوسيع نطاقها بوتيرة متسارعة. فقد تعاود اللغة المنحازة على أساس الجنس أو المفاهيم الضيقة للقيادة أو التفضيلات الضمنية لخلفيات تعليمية معينة الظهور في الأوصاف الوظيفية الجديدة. وفي منطقة تكتسب فيها جهود تعزيز الشمول زخماً متزايداً، بدءاً من زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل في المملكة العربية السعودية وصولاً إلى سياسات التوطين في دولة الإمارات، فإن أتمتة أنماط البيانات القديمة دون تمحيص قد تقوّض إصلاحات صُممت بعناية.
وتتمثل المرحلة الثانية في استقطاب المرشحين وتقديم طلبات التوظيف. وقد أسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة أعداد الطلبات التي يمكن تقديمها بصورة كبيرة، إذ أصبح بإمكان المرشحين اليوم إعداد سير ذاتية وخطابات تقديم مصممة خصيصاً للوظائف المستهدفة خلال وقت قصير، كما تتيح بعض المنصات تقديم طلبات متعددة بجهد محدود. وقد يبدو ذلك إيجابياً للوهلة الأولى، إذ يُفترض أن يؤدي اتساع قاعدة المرشحين إلى توفير خيارات أكبر، إلا أن زيادة أعداد الطلبات تؤدي حتماً إلى ارتفاع معدلات الرفض. وقد أظهرت أبحاثي أن الرفض يؤثر في سلوك المرشحين؛ ففي البيئات التي ترتفع فيها معدلات الرفض، تقل احتمالية تقدمهم مجدداً. والأهم أن الأدلة تشير إلى أن النساء يولين اهتماماً خاصاً لمدى عدالة عملية التوظيف؛ فعندما تبدو أسباب الرفض غامضة أو لا تحظى بتفسير كافٍ، فقد يعزفن عن التقدم مجدداً. وينعكس ذلك لاحقاً بصورة مؤثرة على تركيبة قاعدة المرشحين ومدى تنوعها.
ولا يُستهان بأهمية هذه المسألة بالنسبة لاقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تسعى إلى تعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل ودمج الخريجين الشباب في وظائف القطاع الخاص. فإذا أدت الكفاءة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي إلى زيادة معدلات الرفض بصورة غير ملحوظة، في غياب التواصل الواضح والشفاف، فقد تسهم في تضييق قاعدة الكفاءات المتاحة مستقبلاً بدلاً من توسيعها.
وتطرح مرحلة الفرز مفارقة أخرى؛ فقد تتفوق الخوارزميات على البشر في التخلص من بعض أشكال التحيز في سياقات معينة. إذ يميل مسؤولو التوظيف من البشر، بحكم طبيعتهم، إلى الانحياز لمن يشبهونهم، فيفضلون المرشحين الذين يشاركونهم الخلفية الأكاديمية أو الجنسية أو حتى الهوايات. وفي المقابل، يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي المصممة على نحو سليم تجاهل مثل هذه العوامل غير المرتبطة بمتطلبات الوظيفة، والتركيز على مؤشرات أداء محددة ومنهجية.
غير أن الاستخدام الواسع للذكاء الاصطناعي من جانب المرشحين يطرح تحدياً جديداً يتمثل في التجانس. فعندما يستخدم الجميع الأدوات نفسها لصقل سيرهم الذاتية، تبدأ ملفات المرشحين في التشابه بصورة لافتة، وتكتسب اللغة طابعاً مهنياً موحداً وتزخر بالمصطلحات الرائجة نفسها، ما يزيد صعوبة التمييز بين التميز الحقيقي والصورة المصقولة التي تنتجها الخوارزميات. ومع تراجع وضوح المؤشرات التي يعتمد عليها تقييم المرشحين، قد تستجيب المؤسسات بطرق يمكن توقعها، كإجراء مقابلات مع عدد أكبر من المرشحين، بما يزيد التكاليف، أو رفض أعداد أكبر منهم في المراحل المبكرة، ما يعزز بيئة ترتفع فيها معدلات الرفض.
وقد تتجه المؤسسات أيضاً إلى تفضيل مؤشرات بديلة تبدو أكثر قدرة على التمييز بين المرشحين، لكنها غالباً ما تكون أكثر إقصاءً من الناحية الاجتماعية، مثل ترشيحات الموظفين، وشبكات العلاقات المهنية المغلقة، والمؤهلات الأكاديمية الصادرة عن مؤسسات تعليمية مرموقة. وقد يؤدي ذلك إلى إعادة إنتاج أوجه عدم المساواة عبر قنوات تعمل خارج نطاق الخوارزمية نفسها. وفي منطقة لا تزال فيها بطالة الشباب تحدياً ملحاً، ولا سيما في شمال أفريقيا، فإن احتمال رفض أعداد كبيرة من المرشحين على نطاق واسع يحمل تداعيات اجتماعية إلى جانب تداعياته المؤسسية.
وتضيف مرحلة المقابلات الشخصية مزيداً من التعقيد؛ فمنصات المقابلات عبر الفيديو المدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل نبرة الصوت وتعبيرات الوجه وأنماط الحديث، وتحويل التفاعلات العفوية إلى بيانات منظمة. ويمثل هذا الاتساق وقابلية التوسع ميزة مغرية لأصحاب العمل الذين يديرون آلاف الطلبات في عدة دول.
ولكن الفروق الثقافية الدقيقة تكتسب أهمية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ إذ تختلف أساليب التواصل بين دول الخليج العربي وبلاد الشام وشمال أفريقيا، كما تتباين مستويات الارتياح لإجراء المقابلات عبر الكاميرا باختلاف العمر والجنس والخلفية الاجتماعية والاقتصادية. وقد تؤدي الأنظمة التي تعتمد في تدريبها على معايير سلوكية محدودة، دون قصد، إلى استبعاد من يعبّرون عن أنفسهم بطرق مختلفة أو التقليل من فرصهم. وفي مجتمعات لا تزال الثقة بين الأفراد والتوافق القائم على العلاقات فيها عنصرين أساسيين في ثقافة الأعمال، فإن الاستغناء تماماً عن الحكم البشري قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
وهنا تتجلى الحاجة الماسة إلى البصيرة الإنسانية؛ فالمدير المسؤول عن التوظيف يفهم ديناميكيات فرق العمل وثقافة المؤسسة والموازنات الاستراتيجية، ويمكنه استشراف إمكانات المرشحين حتى عندما لا تتوافق تماماً مع القوالب المحددة مسبقاً. كما يستطيع فهم السياق المحيط بمسيرة كل مرشح، كأن يكون مساره المهني قد تأثر بالتزامات الخدمة الوطنية، أو المسؤوليات العائلية، أو الإقدام على مخاطر ريادية في أسواق متقلبة.
فالذكاء الاصطناعي قادر على رصد الأنماط على نطاق واسع، أما الإنسان فهو وحده القادر على استخلاص دلالاتها.
وبناءً على ذلك، فإن المطلوب من المؤسسات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل حوكمته بفعالية. ويقتضي ذلك تحديد المسؤوليات بوضوح فيما يتعلق باختيار الأدوات وبيانات التدريب، ومتابعة ليس فقط من يتم تعيينهم، بل أيضاً من يتقدمون للوظائف ومن يواصلون التقدم إليها. كما يتطلب إخضاع الأوصاف الوظيفية لاختبارات تكشف أي تحيز غير مقصود، ومراجعة معدلات الرفض للوقوف على أثرها في مختلف الفئات الديموغرافية، إلى جانب الجمع بين التقييمات المنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي والمقابلات البشرية المصممة بعناية.
وقبل كل شيء، يتطلب ذلك إدراك أن التكنولوجيا ليست محايدة في أثرها، وأن نتائجها تتوقف على كيفية توظيفها. فالرؤى الطموحة التي تتبناها المنطقة، من التنويع الاقتصادي إلى النمو القائم على المعرفة، تعتمد على استقطاب الكفاءات المتنوعة وتنميتها. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يسرّع تحقيق هذه الرؤى، أو أن يحرف مسارها بصورة غير ملحوظة.
ولا شك أن مستقبل التوظيف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سيكون رقمياً، إلا أن نجاحه سيعتمد على حسن تقدير الأشخاص الذين يوظفون هذه التقنيات وشفافيتهم ووعيهم الثقافي، أكثر مما يعتمد على مدى تطور الخوارزميات.




