في أعماق المحيطات المظلمة، تسبح حيتان العنبر معتمدة على إطلاق أصوات متقطعة يمكنها اختراق كيلومترات طويلة. ورغم أن العلماء اكتشفوا لأول مرة قدرة هذه الحيتان على إصدار الأصوات في عام 1957، إلا أن فهم لغة تواصلها ظل يشكل تحدياً كبيراً. ويعود ذلك إلى أن هذه الثدييات البحرية تغوص إلى أعماق تتجاوز 1.6 كيلومتر، وتقضي هناك نحو 50 دقيقة كل ساعة، مما يجعل عملية مراقبتها المستمرة أمراً بالغ الصعوبة باستخدام الطرق التقليدية السابقة.
لغة النقرات الصوتية وأنماط “الكودا”
تعتمد حيتان العنبر على نظام صوتي متطور للتكيف مع بيئتها المظلمة؛ فهي تستخدم نقرات صوتية دقيقة للتنقل والصيد. وإلى جانب ذلك، تُصدر الحيتان سلاسل من النقرات المتسلسلة ذات نمط محدد تُعرف باسم “كودا” (Coda). ويعتقد الباحثون أن هذه الأنماط الصوتية تلعب دوراً محورياً في التواصل والتنسيق الاجتماعي بين أفراد المجموعة الواحدة.
الروبوت الغاطس: تقنية التتبع في الوقت الفعلي
في خطوة علمية متقدمة، أعلن باحثون عن بدء تتبع إشارات حيتان العنبر في الوقت الفعلي باستخدام روبوت تحت الماء ذاتي التشغيل. ويعتمد هذا الروبوت المبتكر في عمله على الاستماع المباشر لأصوات الحيتان وتحديد موقعها الدقيق.

آلية عمل النظام الجديد:
- الميكروفونات المائية: زُوّد الروبوت بأربعة ميكروفونات مائية (هيدروفونية) لالتقاط الأصوات.
- تحليل البيانات الذكي: يقوم البرنامج الداخلي للروبوت بتحديد مصدر الصوت وتوجيه نظام الملاحة تلقائياً لتغيير مسار الروبوت نحو الحوت.
- التحكم في الطفو: يتميز الجهاز بقدرته على تعديل وزنه وحجمه ليصبح أثقل قليلاً للنزول إلى الأعماق أو أخف قليلاً للارتفاع نحو السطح.
وقد أشار أستاذ علم الأحياء والعلوم البيئية والمشرف على الدراسة، ديفيد جروبر، إلى أن الميزة الكبرى لهذا الروبوت تكمن في قدرته على اتخاذ القرارات في الوقت الفعلي بينما لا يزال تحت الماء، بدلاً من الاكتفاء بتسجيل البيانات الصوتية لتحليلها لاحقاً بعد انتهاء الغوص.
نقلة نوعية في الأبحاث والمراقبة طويلة الأمد
شكلت الطرق القديمة عائقاً أمام متابعة الحيتان، حيث كانت تكتفي برسم خرائط عامة لمساراتها دون تتبع فعلي. أما النظام الجديد، فيُتيح تحديث مسار الروبوت باستمرار للبقاء برفقة حوت واحد أو مجموعة كاملة لفترات زمنية طويلة قد تصل إلى عدة أشهر.
وتتيح هذه المدة للعلماء الانتقال من مجرد التقاط لمحات قصيرة إلى دراسة الأنماط التي تحدد كيفية تنسيق الحيتان وتفاعلها الاجتماعي واستجابتها لبيئتها بمرور الوقت.

تأثير النشاط البشري على البيئة البحرية
يمكن أن تسهم هذه البيانات في الإجابة عن تساؤلات قديمة بشأن كيفية تواصل حيتان العنبر، كما ستكشف عن مدى تأثرها بالنشاط البشري. ومن خلال الرصد المستمر، سيتمكن الباحثون من معرفة كيف تتغير اتصالات الحيتان عند تعرضها للضوضاء التي تصنعها حركة السفن، والبناء البحري، وأنشطة الصيد.
وبناءً على هذه الروابط بين سلوك الحيتان والضغوط البيئية، ستتمكن الجهات المعنية من اتخاذ قرارات دقيقة وقائمة على الأدلة، مثل تحديد متى يجب تقليل سرعات السفن، أو إعادة توجيه حركة الملاحة، أو تطبيق قيود على الصيد لتقليل الاضطرابات وحماية الحياة البحرية.




