تطوير تقنيات تحلية المياه يتجه عالمياً نحو جعل كل متر مكعب من المياه العذبة أرخص في الإنتاج وأقل استهلاكاً للطاقة، مع اعتماد متزايد على الطاقة المتجددة والابتكارات البحثية في تصميم الأغشية وأنظمة الاسترداد الحراري.
تحلية أكثر كفاءة وأقل استهلاكاً للطاقة
تشير دراسات متخصصة في سوق تحلية المياه إلى أن تقنية التناضح العكسي (RO) أصبحت اليوم التقنية المهيمنة عالمياً، بعد عقود كانت فيها التحلية الحرارية هي السائدة في دول الخليج. وتعتمد هذه التقنية على دفع مياه البحر عبر أغشية شبه نفاذة تحت ضغط عالٍ، لإزالة الأملاح والمعادن، مع استهلاك طاقة أقل بكثير من غلي الماء وتكثيفه كما يحدث في التقطير الومضي أو المتعدد المراحل.
لخفض استهلاك الطاقة أكثر، طورت الشركات أنظمة «استعادة الطاقة» التي تسترجع جزءاً كبيراً من الضغط المستخدم في الخطوط عالية الملوحة وتعيده إلى النظام، ما يخفض الطاقة النوعية المستهلكة لكل متر مكعب من المياه العذبة. تقارير فنية توضح أن الجمع بين مضخات عالية الكفاءة ووحدات استرداد الطاقة الحديثة جعل بعض المحطات تصل إلى استهلاك في حدود 2.5–3 كيلوواط/ساعة للمتر المكعب، مقارنة بقيم أعلى بكثير في الأجيال السابقة من المحطات الحرارية.
إلى جانب ذلك، يجري العمل على تطوير أغشية ذات نفاذية أعلى ومقاومة أكبر للترسّب الحيوي والملوثات العضوية، ما يقلل الحاجة للتنظيف الكيميائي المتكرر ويطيل عمر الأغشية. هذه التحسينات التقنية في المكونات الداخلية، وإن بدت غير مرئية للمستهلك العادي، تنعكس مباشرة على تكلفة التشغيل والصيانة، وبالتالي على التكلفة النهائية للمياه المنتجة.
الطاقة المتجددة.. ركيزة لتحلية مستدامة
في دول مثل الإمارات والسعودية وقطر، تتحول استراتيجيات تحلية المياه من الاعتماد على محطات حرارية كثيفة الانبعاثات إلى محطات تناضح عكسي مرتبطة بمشروعات طاقة متجددة، خاصة الطاقة الشمسية. برنامج «مصدر» التجريبي لتحلية المياه بالطاقة المتجددة، على سبيل المثال، اختبر عدداً من التقنيات المختلفة في موقع واحد لتقييم أيها أكثر كفاءة وأقل تكلفة عندما تُشغَّل بالطاقة الشمسية، وخلص إلى أن التناضح العكسي المرتبط مباشرة بالطاقة المتجددة يقدم أفضل مزيج بين استهلاك الطاقة والاستقرار الاقتصادي.
تقارير صادرة عن جهات معنية بالطاقة والمياه في الإمارات ذكرت أن الاعتماد المتزايد على محطات تناضح عكسي تعمل بالطاقة المنخفضة الكربون يمكن أن يسهم في خفض الانبعاثات الكربونية لقطاعي الكهرباء والمياه إلى النصف تقريباً خلال سنوات قليلة، مقارنة بالوضع القائم على المحطات الحرارية القديمة. كما أن ربط التحلية بالطاقة المتجددة يساعد في تثبيت تكلفة المياه على المدى البعيد، لأن تكلفة الوقود في هذه الحالة تعتمد أساساً على استثمار أولي في الألواح الشمسية أو توربينات الرياح، وليس على أسعار نفط أو غاز متقلبة.
في المقابل، تتطلب هذه النماذج حلولاً ذكية لإدارة التذبذب في إنتاج الطاقة المتجددة، سواء عبر تخزين الطاقة أو تشغيل المحطات في أوقات ذروة إنتاج الكهرباء الشمسية، وهو ما يدفع نحو تطوير أنظمة تحكم متقدمة قادرة على مواءمة إنتاج المياه مع منحنيات الطلب اليومي والموسمي.
ابتكارات بحثية واعدة لخفض التكلفة مستقبلاً
على مستوى الأبحاث، تعمل جامعات ومراكز دولية على تطوير نظم تحلية جديدة يمكن أن تجعل تكلفة المياه المحلاة أقل من تكلفة مياه الشبكة في بعض المناطق، خاصة إذا أُنتجت محلياً في وحدات صغيرة تعتمد على الطاقة الشمسية. باحثون في معهد MIT طوروا نظام تحلية معياري يعمل بالطاقة الشمسية ويستخدم مبدأ التبخير والتكثيف المتعدد المراحل في وحدة مدمجة، قادر على إنتاج عدة لترات من المياه النظيفة في الساعة بكفاءة حرارية عالية، مع إمكانية توسعته بوحدات مكررة دون زيادة كبيرة في التعقيد التشغيلي.
المنتدى الاقتصادي العالمي أشار إلى أن التحلية تقف اليوم عند «نقطة تحوّل» تركّز فيها الصناعة على رفع كفاءة الطاقة وخفض التكلفة، من خلال دمج الذكاء الاصطناعي في مراقبة أداء المحطات، وتحليل البيانات الضخمة لتحسين برمجة الغسل العكسي للأغشية وتقليل الفاقد، إضافة إلى استخدام مواد جديدة في صناعة الأغشية والأنابيب تقلل الاحتكاك واستهلاك الطاقة. كما تبرز تقنيات أخرى مكملة، مثل إعادة استخدام المحلول الملحي الناتج كمدخل لصناعات كيميائية أو لاستخلاص المعادن، ما قد يحوّل «مخلفاً مكلفاً» إلى مصدر دخل يساعد في خفض التكلفة الصافية للمتر المكعب من المياه المنتجة.
في المجمل، يُظهر مسار التطوير أن تقنيات تحلية المياه تتجه نحو أن تصبح أكثر كفاءة وأقل تكلفة وأقل أثراً بيئياً، مع دور محوري للطاقة المتجددة والابتكار العلمي، وهو ما يمثل خياراً استراتيجياً لدول تعاني شحاً مائياً وتعتمد بصورة متزايدة على المياه المحلاة لتأمين احتياجات السكان والقطاعات الاقتصادية.




