في منتصف أبريل 2026، يتداول سهم إعمار عند نحو 12 درهماً. قبل أشهر قليلة، كان يلامس 17 درهماً. هذه الفجوة بين ما كان عليه السهم وما هو عليه اليوم هي بالضبط ما يجعل السؤال مثيراً للاهتمام. هل هي فرصة يضيّعها من يتجاهلها؟ أم أن هناك أسباباً وجيهة تجعل الحذر ضرورياً؟
لنبدأ من المكان الذي يجب أن تبدأ منه أي قصة عن شركة: الأرقام. إعمار أنهت عام 2025 بأعلى إيرادات في تاريخها، إذ تجاوزت 49.6 مليار درهم، بنمو يبلغ 40% مقارنة بعام 2024. لكن الرقم الأكثر إثارة ليس الإيراد بحد ذاته، بل هامش الربح الذي بلغ 56%. بمعنى آخر، من كل 100 درهم تحصل عليها الشركة، يتحول 56 درهماً منها إلى ربح صافٍ. في عالم العقارات والتطوير حيث تتراكم التكاليف وتضغط السوق، هذا الرقم ليس عادياً.
والأرقام لا تأتي من فراغ. اذهب اليوم إلى دبي مول وانظر حولك. المكان يعجّ بالزوار في أي وقت، سواء في يوم عمل عادي أو عطلة نهاية الأسبوع. ما تراه بعينيك يترجمه التقرير السنوي رقماً واحداً: 105 ملايين زيارة خلال عام 2025 وحده، وهو ما يجعل دبي مول المكان الأكثر زيارة على وجه الأرض. نسبة الإشغال في محافظ التجزئة التابعة لإعمار تتجاوز 98%، وهو رقم يحسدها عليه أي مشغّل تجزئة في لندن أو نيويورك أو شنغهاي.

لكن إعمار ليست مجرد مولات. هي شركة تبيع المستقبل. مبيعاتها العقارية في 2025 وصلت إلى 80.4 مليار درهم، وهو رقم قياسي جديد. والأهم من المبيعات الحالية هو ما يُعرف في المحاسبة بـ”خلفية الإيرادات” أو الـ backlog، أي القيمة الإجمالية للوحدات التي بيعت ولم يُعترف بإيراداتها بعد لأن تسليمها لم يكتمل. هذا الرقم بلغ 155 مليار درهم في نهاية 2025، أي بنمو 39% عن العام السابق. بمعنى مبسّط جداً: دخل الشركة للسنوات القادمة محجوز بالكامل تقريباً، قبل أن تُطلَق أي مشاريع جديدة.
ومن أين يأتي هذا الطلب المتواصل؟ الإجابة تسير في الشوارع. دبي أضافت في 2025 نحو ألف ساكن جديد يومياً، وتجاوز عدد سكانها أربعة ملايين نسمة لأول مرة في تاريخها. عشرة آلاف شخص من أصحاب الثروات الكبيرة انتقلوا إلى الإمارات خلال العام نفسه. هؤلاء لا يأتون ليستأجروا غرفة؛ يأتون ليشتروا شققاً وفللاً وحياة بأسرها، وإعمار هي الجهة الأكثر تجهيزاً للاستجابة لهذا الطلب. في عام 2025 وحده، أطلقت الشركة 48 مشروعاً سكنياً جديداً، واستحوذت على 36 مليون قدم مربع من الأراضي بقيمة تطويرية تبلغ 120 مليار درهم.

ماذا عن التقييم؟ السهم يُتداول عند مضاعف ربحية لا يتجاوز 6 مرات، في وقت تتداول شركات مماثلة في المنطقة عند 7 مرات أو أكثر. أحد عشر محللاً يغطون السهم بشكل منتظم، وجلّهم يصنّفونه بـ”شراء قوي” مع متوسط سعر مستهدف قدره 18.90 درهم، أي بفارق يزيد على 55% عن السعر الحالي. حتى التحليل المبني على التدفقات النقدية المستقبلية يضع السهم في منطقة “مقيّم بأقل من قيمته الحقيقية بنحو 22%”.
ويبقى عنصر واحد لم نتحدث عنه بعد: التوزيعات. في عام 2021، كان إعمار يوزع 10 هللات للسهم. في 2022 رفعها إلى 15 هللة، ثم إلى 25 في 2023، ثم 50 في 2024. في 2025 و2026 قفزت إلى درهم كامل. هذه القفزة من 10 هللات إلى درهم خلال خمس سنوات ليست مجرد إشارة كرم من الإدارة، بل هي إعلان صريح بأن الشركة تتقدم من مرحلة النمو الصاخب إلى مرحلة النضج الإنتاجي. عند السعر الحالي، العائد على التوزيعات يتجاوز 8%، أي أعلى من معظم الودائع المصرفية في المنطقة.

طبعاً، القصة لا تخلو من مخاطر حقيقية. التوترات الجيوسياسية في المنطقة ألقت بظلالها على ثقة المستثمرين خلال الأشهر الأخيرة، وهي السبب الرئيسي وراء تراجع السهم من قمته. إضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع العرض السكني المتوقع في دبي خلال 2026 قد يضغط على معدلات الاستيعاب في السوق على المدى المتوسط. المستثمر الذي يبحث عن مكاسب فورية قد لا يجد ما يبهجه في الأشهر القليلة المقبلة.
لكن المستثمر الذي يفكر بأفق زمني معقول، ويريد أن يضع أمواله في شركة تمتلك خلفية إيرادات بقيمة 155 مليار درهم، وعوائد سنوية تتجاوز 8%، وتتداول بسعر لا يعكس حجم نتائجها الفعلية، فإن إعمار عند 12 درهماً تبدو وكأن السوق يقدم عليها خصماً لم يطلبه أحد. الحكم هو الشراء أو على أقل تقدير الاحتفاظ، بشرط أن يكون الصبر جزءاً من الحساب.




