كشفت شركة الاستشارات العقارية العالمية Savills عن استقرار ملحوظ في سوق المكاتب بدبي خلال الربع الأول من العام الجاري. أصدرت الشركة تقريرها الفصلي الشامل عن سوق المكاتب في دبي، مؤكدة على أن متوسط الإيجارات في المدينة استقر عند مستوى 238 درهمًا إماراتيًا لكل قدم مربعة. يمثل هذا الاستقرار نقطة تحول مهمة، إذ يشير التقرير إلى أنه أول فترة ربع سنوية منذ النصف الأول من 2021 لم تشهد أي ارتفاع في الإيجارات.
رغم توقف النمو في الإيجارات على أساس فصلي، بقيت الإيجارات مرتفعة بنسبة 14% على أساس سنوي مقارنة بالربع الأول من 2025. يعكس هذا الفرق المسار الصعودي القوي الذي شهده السوق على مدى العامين الماضيين. لكن هذا النمو السنوي لا يخفي الحقيقة الأساسية: أن السوق قد دخلت مرحلة جديدة من النضج والاستقرار.
عوامل خارجية وموسمية تعطل الزخم
أرجع التقرير تراجع الزخم خلال الربع إلى عدة عوامل خارجية وموسمية. ساهمت الاضطرابات الإقليمية الناجمة عن النزاع الذي بدأ في 28 فبراير 2026 في تأثير محسوس على قطاع العقارات. إضافة إلى ذلك، عوامل موسمية بما فيها بدء شهر رمضان وإجازة عيد الفطر أدت إلى تباطؤ مؤقت في عملية صنع القرار. كان هذا التباطؤ أكثر وضوحًا بين المستأجرين الدوليين، وصاحبه زيادة في العمل عن بعد والاضطرابات المتعلقة بالسفر.
مع ذلك، ظلت معنويات السوق إيجابية. تابعت الشركات أنشطتها الطبيعية، واتخذ المستأجرون نهجًا متحفظًا وحذرًا بدلاً من رد فعل حاد أو متسرع. يؤكد التقرير أن الثقة طويلة الأجل في سوق المكاتب في دبي بقيت سليمة، مدعومة بأساسيات قوية وبيئة تنظيمية مستقرة.
تحول في سلوك المستأجرين نحو الاستراتيجية
برز تحول ملحوظ في سلوك المستأجرين يعكس نضجًا متزايدًا في السوق. أصبح السوق معرفًا بشكل متزايد بحسب استراتيجية المستأجرين بدلاً من التركيز على الارتفاعات في الإيجارات. تلعب لوائح الحماية الإيجارية المرتبطة بـ RERA دورًا حاسمًا في تثبيت العديد من المستأجرين في مقارهم الحالية. يعطي هذا الإطار التنظيمي المستأجرين قدرة على التنبؤ والاستقرار.
يركز المستأجرون حاليًا على أولويات جديدة تتجاوز الاهتمام بمستويات الإيجارات. تشمل هذه الأولويات تأمين الاستقرار في التأجير، وتحسين الكفاءة التشغيلية، والبحث عن القيمة طويلة الأجل عند اتخاذ قرارات عقارية.
تشكيل الشركات يدعم الطلب المستدام
يستمر تشكيل الشركات الجديدة في دعم الطلب على المساحات المكتبية. سجلت غرفة تجارة دبي أكثر من 71,830 شركة جديدة انضمت إليها في 2025. يوفر هذا العدد الكبير من الشركات الناشئة خط أنابيب ثابتًا من المستأجرين الجدد الذين يحتاجون إلى مساحات مكتبية.
كشفت بيانات من قسم الأراضي والممتلكات بدبي وسجلات Savills الداخلية عن اتجاه مهم: 97% من جميع صفقات المكاتب المنجزة في الربع الأول من 2026 كانت لوحدات بحجم 3,000 قدم مربعة أو أقل. يعكس هذا الرقم الكبير وجود نوعين من المستأجرين: الشركات الناشئة التي تؤسس موطئ قدم لها في دبي، والشركات القائمة التي تؤمن مكاتب فرعية إضافية بينما تحتفظ بمقارها الحالية تحت إطار الحماية الإيجارية.
إمدادات جديدة ستعيد تشكيل ديناميكيات السوق
يتوقع التقرير أن يشهد السوق تحولاً تدريجيًا مع إدخال عرض جديد من المساحات. من المقرر تسليم حوالي 2 مليون قدم مربعة من المساحات المكتبية في 2026. سيتبع ذلك 1.6 مليون قدم مربعة إضافية متوقعة في 2027.
مع تسليم هذا العرض الجديد، من المتوقع أن تزداد الوحدات الشاغرة في بعض المناطق الثانوية. قد يؤدي هذا إلى تخفيف الضغوط على الأسعار وخلق فرص جديدة للمستأجرين الباحثين عن عروض أفضل من حيث القيمة والكفاءة.
إعادة التموضع الاستراتيجي بدلاً من نمو الإيجارات
توقعت Savills أن يتسم عام 2026 بأقل تركيز على نمو الإيجارات الإجمالي وأكثر اهتمامًا بإعادة التموضع الاستراتيجي ضمن مناطق معينة. مع توفر عرض جديد وتحرير مساحات ثانوية، قد يسعى المستأجرون في الوحدات ذات التكاليف العالية إلى التحرك نحو مساحات في الأصول التجارية الراسخة. قد يحسن هذا من الكفاءة التشغيلية ويوفر يقينًا أكبر بشأن التكاليف.
من المتوقع أن تبقى المواقع الأساسية بما فيها DIFC One Central و Business Bay مدعومة بقوة من الطلب القادم من القطاع المالي والخدمات المهنية والشركات الجديدة.
رسالة الاستقرار والنضج
قال توبي هول، رئيس الوكالة التجارية في Savills الشرق الأوسط: “استقرار الإيجارات في الربع الأول من 2026 يعكس سوقًا تدخل مرحلة جديدة من النضج”. أردف: “بعد سنوات من النمو المستدام، يتحول التركيز من الارتفاعات الإيجارية إلى استراتيجية المستأجرين وإدارة التأجير والقيمة طويلة الأجل”. وختم قوله: “رغم الرياح المعاكسة الإقليمية، تبقى الأساسيات في سوق المكاتب بدبي قوية، ونتوقع أن تتنقل المدينة في هذه الفترة برمتها بمرونتها المميزة




