نفّذ المركز الوطني للأرصاد في دولة الإمارات نحو 80 مهمة استمطار للسحب منذ مطلع عام 2026، ضمن جهود مستمرة لزيادة الهطول المطري وتعزيز المخزون المائي في البلاد باعتبار ذلك جزءًا من استراتيجية وطنية طويلة الأمد للأمن المائي. وتركّزت العمليات على استهداف السحب الركامية المناسبة علميًا لعمليات التلقيح، بهدف تغذية المياه الجوفية ودعم الاستدامة المائية في بيئة صحراوية تعاني من محدودية الأمطار الطبيعية.
مهام استمطار انتقائية تستهدف السحب المناسبة فقط
أوضح الدكتور محمد العبري، مدير إدارة الأرصاد في المركز الوطني للأرصاد، أن عدد مهمات الاستمطار التي نُفذت منذ بداية العام بلغ قرابة 80 مهمة، مشيرًا إلى أن عمليات التلقيح لا تُطبَّق على كل السحب، بل على السحب الركامية (convective clouds) ذات الخصائص الملائمة فقط. ولفت إلى أن السحب الطبقية (stratiform clouds) التي تظهر أحيانًا في بعض المناطق لا تكون عادةً هدفًا للاستهداف، وهو ما يفسر تفاوت شدة الأمطار من منطقة لأخرى رغم تنفيذ عمليات استمطار في نطاق أوسع.
وبحسب المركز، تتم دراسة الحالات الجوية بدقة عبر شبكة رادارات متكاملة ومحطات رصد تغطي مختلف إمارات الدولة، قبل اتخاذ قرار إرسال الطائرات المتخصصة لتلقيح السحب باستخدام مواد معتمدة علميًا، بما يضمن تحقق أعلى قدر ممكن من الفعالية مع مراعاة عوامل السلامة والبيئة.
جزء من إستراتيجية وطنية لتعزيز الأمن المائي
يشير المركز الوطني للأرصاد وبرنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار إلى أن هذه العمليات تمثل ركيزة مساندة لمنظومة إدارة الموارد المائية في الدولة، إلى جانب تحلية مياه البحر وإدارة المياه الجوفية. وتستهدف الاستراتيجية زيادة متوسط الهطول السنوي، ورفع حجم الحصاد المائي الذي تسهم فيه عمليات الاستمطار، والذي قدّرت دراسات متخصصة أنه يتراوح بين نحو 84 و419 مليون متر مكعب من المياه سنويًا نتيجة زيادة كميات الأمطار في الحالات المستهدفة.
وتأتي هذه الجهود في سياق التزامات أوسع للإمارات تجاه قضايا التغير المناخي والأمن المائي، حيث يموّل برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار مشاريع بحثية دولية لتطوير تقنيات جديدة، تشمل تحسين مواد التلقيح، وتحليل بيانات الرادار، وفهم الفيزياء الدقيقة للسحب في البيئات الجافة وشبه الجافة.
بنية تحتية متطورة وطاقم متخصص
تضم منظومة الاستمطار في الإمارات اليوم أكثر من 95 محطة مترابطة للرصد الجوي، وشبكة رادار متكاملة لمراقبة السحب والعواصف، إضافة إلى أربع طائرات من طراز «كينغ إير» مخصصة لعمليات الاستمطار، يقودها تسعة طيارين متخصصين ويدعمهم طاقم علمي وفني، الغالبية منهم من الكوادر الوطنية. ويؤكد برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار أن الدولة أصبحت «مركزًا عالميًا» لتطوير هذه التقنيات، مع شبكة شراكات بحثية تضم عشرات المعاهد والباحثين حول العالم، بهدف إيجاد حلول عملية ومستدامة لمشكلة شح المياه.
استمطار لتعزيز الأمن المائي لا للاستغناء عن الترشيد
على الرغم من أن الاستمطار يوفر أداة فعّالة نسبيًا لتعزيز الموارد المائية في المناطق القاحلة، يؤكد القائمون على البرنامج أن هذه التقنية «مكمّلة» لجهود إدارة الطلب على المياه وليست بديلًا عنها، مشددين على ضرورة استمرار سياسات الترشيد والاستخدام المسؤول للمياه من قبل الأفراد والقطاعات المختلفة. وتلفت الجهات المعنية إلى أن الأمن المائي في دولة تعتمد على تحلية المياه بشكل كبير يتطلب مزيجًا من الابتكار التقني، وتخطيط الموارد، وتغيير السلوك الاستهلاكي، بحيث تعمل عمليات الاستمطار كرافد إضافي يدعم المنظومة ولا يغني عن باقي الأركان.




